أرِقتُ لفقدكم بعد الرجوعِ
وبتّ ولم أذقْ طعم الهجوعِ
كأني بعد بُعدِكمُ سليمٌ
يرجِّي مقدمَ الرّاقي الشّفيع
تلفَّتُ نحوكمْ إبلي اشتياقا
لما ترجوه من حُسْن الصنيع
وما أسرعت قبلكمُ استباقًا
إلى لثم المعاهد والربوع
ولا لِوِصال غانيةٍ رداحٍ
هضيمٍ بضّةٍ بيضا شموع
كأنّ رضابَها رشفاتُ شَهْدٍ
شفاءٌ للجوانح والضّلوع
كأنَّ حديثها نفثاتُ سِحْرٍ
يسلّي قلب مشتاقٍ نَزوع
ولا متجافيًا عن خير صحبٍ
بُدور التمِّ في أسنى طلوع
ولكنّي تقدّمتُ احتفالاً
لطلعتكم على تلك الجموع
فما إن راعني إلا بريدٌ
أتى عنكمْ بأخبار الرجوع
له لقبٌ تكفّل عن سؤالٍ
بما أبداه من نبأٍ شنيع
فقلتُ له هُبلتَ أتدري ماذا
أتيتَ به من الخبر الفظيع؟
أسفتُ على فراقكمُ مليّا
وصرتُ بحال محزونٍ وجيع
فلا تَجْزَعْ «أبا الفَضلِ» المرجَّى
وكفكِفْ منكَ واكفةَ الدُّموع
وكُنْ كالنّجم بُعْدًا في مداه
يُرَى في الماء وهو أخو شُسوع
ولا تعتِبْ على صَرف الليالي
فإنّ الدهر ساعٍ للجميع
قُصاراه اجتماعٌ وافتراق
لدى حلٍّ وترحالٍ سريع
له عكسُ الحقائق صار طبعًا،
بمزج الجِدِّ هزلاً ذو ولوع
لئن صارت بُغاثُ الطير فيه
بُزاةً فهي في شَركِ الوقوع
محالٌ أن يكون الرأس ذيلاً
وأن يعلو الرّقيعُ على الرّفيع
ولكنَّ التفاوتَ في المعالي
به يمتاز عالٍ من وضيع
وفي الناس العِصامي والعِظامي
وفيهم من قريعٍ أو خليع
فلا تأسفْ على الدنيا ودعْها
وثِقْ بالواحد الصَّمدِ السَّميع