يا آفلاً مُطْلِعًا في أفقنا الأَدبا
ما زال يشرق فيه منك ما غَرَبا
أنّى لنا أدبٌ يرثي لكم أدبًا
أيمطر النبعُ في عليائها السُّحُبا؟
قد كنت فينا وقد روَّيتنا حِكَمًا
فاليوم نسقيك من آماقنا نُغَبا
لقد طوتك ليالي العمر إذ نشرتْ
ذكراك تطوي بها الأعمار والحِقَبا
فإن أمَلَّكَ طولُ العمر من هرمٍ
فطولُ عمرك فينا كان مقتضَبا
خَطا إليك الرَّدى إذ رُمْتَ خطوتَه
وكان يُحجِمُ ذعرًا منك أو هَرَبا
لم يقضِ منك مقلُّ الشعر إربتَه
وإن قضى الشّعرُ من إتقانك الأربا
أردتَ منه قليل القول لؤلؤَهُ
وما أردتَ كثير القول مُخْشَلِبا
كنا بشعرك نعطي السّهل مرتضَعًا
ومن سواك نعاطي السّهل محتلَبا
قد كان خُلْقُكَ يبدي حسنَه بَرَدًا
وكان فكرُك يخفي وقْده لهبا
فحال فكرك فينا حرقةً وغدت
لك الخلائق في الجنّات منقلبا
حملتَ عَرْفًا إلى أُخراك مدَّخرًا
فكان حمدًا إلى دنياك مكتسبا
وقال بعدك ناعي الحمد وا أسفي
إذ قال بعدك ناعي العرفِ وا حَرَبا
تبقى بروحك روحُ الشّعر محضرةً
يُرى الأديبُ بها للشعر منتهبا
وكنت تسبقُ في ريثٍ بفلسفةٍ
من القريض الذي يسعى لها خببا
أخرجتَ شعرك كنزًا كنت تسكنُه
فيا لك اليوم كنزًا تسكن التُّرَبا!
أمِنْ مبانيه تكسو لفظنا سلبًا
أَمْ من معانيه تحشو خُلْقَنا أدبا؟
ما شعبُ مصرَ بناسٍ منكمُ أدبًا
ولا حكومتُه تنسى لكم دَأَبا
لقد توقَّلتَ في دور القضاء فما
نطقت إلاّ بروح العدل مكتتَبا
فكنت قاضِيَها مستجلبًا نصَفًا
وكنت نائبَها مستدفعًا نُوَبا
وكنتَ أوَّل «مصريْ» في نيابتها
فكنت آيةَ الاستقلال منحجبا
ومستشارًا بها تُرضَى مشورته
ويبلغ الرأي شأوًا يُعجز القُضُبا
أحكمت في الثغر تدبيرًا كأن به
دبّرتَ في جوّها الأفلاك والشهُبا
على عُلُوِّكَ زفراتٌ علتْ صُعُدًا
وفي تدانيك آماقٌ هوت صَبَبا
لولا المَقاولُ من «شوقي» ورفقتِهِ
تركتَ بعدك ركن الشّعر مضطربا
لهفي عليك وقد أُنعِمْتَ في سُرُرٍ
أَصِرْتَ ضمن الثرى تستفرشُ الحَصَبا؟
أغمضت عينيك في ليل القبور ألَمْ
تكن مسهَّدَةً تستطلع الكتُبا
أكنت للأرض محبوبًا فما رضيَتْ
إلا بوضعك في أحشائها رغَبا؟
في بطنها فرحٌ في ظهرها حزَنٌ
يسرُّ مغتبطًا ما ساء مكتئبا
وما نزلتَ غريبًا دار عاقبةٍ
حللت فيها لك الأوتاد والطنُبا
أتستقي الغيثَ والآماقُ هاملةٌ
على ثراك تساقي ربعَك الخصِبا؟
من كان مثلك يا اسماعيلُ في عَمَلٍ
يهمي عليه رضاء الله منسكبا