تخطَّ إلى المحتوى

أبي لست أدري كيف أرثيك في نظمي

غير معروف

٣٩ بيت

المتفرقات

أبي لستُ أدري كيف أرثيكَ في نظمي

وقد سامني من بعدك الدهرُ باليُتْمِ

وكيف أُسلّي القلبَ، والقلبُ مؤمنٌ

بأنك من نفسي كروحيَ من جسمي

ولو كنتُ أدري بالذي حكم القضا

عليك وكم أشجى العواطف بالحكم

وأعلم أن الموت لفَّكَ بغتةً

وغََيَّضَ ينبوعَ الفضيلة والعلم

لحوَّلتُ نفسي في رثاك قصائداً

يعبِّرْنَ عن وجْدي ويفصحْنَ عن همِّي

أبي آهِ ما أشجاك في الغمِّ نغمةً

تهزُّ كياني حين تخطر في وهْمي

تفارقني قبل الوداع ولم يكن

لقلبي - وقد غذَّيتَهُ الحبَّ - من جُرْم

سأرثيك في أفلاذ قلبي فإنه

يمجُّ دمًا من سَوْرة الألم المُدْمي

وأنظم شعري من دموعي فإنها

ألذُّ إلى روحي من النثر والنظم

وإن خانني فيك الرثاءُ وربما

تخوّنني - يا والدي - سَوْرةُ الغمّ

فهبنيَ من ينبوعكَ الشعرَ إنه

تَفجَّرَ في دنياك بالأدب الجمّ

وما زال لما كان يلهم فكرتي

ويُسكر مني الروحَ بالغُرَرِ العُصْم

تواتيكَ إن رمتَ القريضَ شواردٌ

لغيرك لا تنقاد إلا على الرغم

وتأتيك أَبكارُ المعاني عقيمةً

فتُلحقها من ثاقب الفكر والفهم

وتكتمها لاخيفةَ النقدِ إنها

كواكب فنٍّ قد تسامتْ عن الوصْم

ولو رمتَ تخليداً بشعرك لم يكن

لغيرك في هذي الميادين أيُّ اسْم

ولكنما في الشعر تكميل ناقصٍ

يحاول فيه أن يحلِّق للنجم

وقد كنتَ في أوج المعالي محلِّقاً

تفوت رجالَ السبْقِ بالعلم والحلم

بربِّك خبِّرْني متى جاءك الردى

أفي يقظةٍ قد كان أم كان في حُلْم؟!

وهل كنتَ تدري حين سافرتَ نائياً

عن الأهل أن الموت منك على قدْم

أبي، يا أبي لو كنتُ أعلم بالذي

سيجري وما للناس بالغيب من علم

لذابت حياتي بالوداع صبابةً

عليك وفاض القلبُ بالضمِّ والشمّ

فكم غمَرَتْني من حنانك رحمةٌ

هي النور في لونٍ، هي الروح في طَعْم

نشأتُ بها لا الدهرُ خصمي ولم أكن

أفكّر أن الدهر قد يَغْتدي خصمي

فقد عشت في دنيا من العطف غضَّةً

تصونُ حياتي بالسلامة والسلم

إلى أن رمَتْني الحادثاتُ فزلزلتْ

كياني بسهمٍ كان من شجوه سهمي

وأصبحتُ في بحرٍ من الحزن لا أرى

بقلبي سوى يَمٍّ تماوجَ في يَم

وكنت إذا أشكو السقام تصونني

بلطفك حتى تنشرَ البرْءَ في جسمي

فقمْ وأغثني بالحنان فإنني

بكيتكَ حتى ازددتُ سقماً على سقمي

بعدتَ كبعد النجم عني فهل ترى

لثغريَ أن يحظى من النجم باللثم

فقدتك والأشجانُ ملء جوانحي

يكلِّمْنَ قلبي حيث لم يندملْ كَلْمي

أصابك سهم الموت لا بل أصابني

بفقدك ما أقساك يا موتُ من سهم

تخيَّرك الموتُ الزؤام كأنه

سوى معدِنِ الأخلاق والعلم لا يُصمي

فرحتَ بريءَ الثوب من كل وصمةٍ

نقيّاً كماء المزْن عارٍ عن الذمّ

خسرتُكَ كهفاً كنت آوي بظله

وسيفاً به أعلو على هامة الخصم

ولكنَّ دهري فلَّ سيفي تعمُّداً

وعاد على كهفي فأرداه بالهَدْم

إلى الله فيكَ المشتكى لا لغيره

فمنه إليه مرجعُ الناس في الحكم

فإن الذي لاقيته لو على الصفا

لَهدَّ ولو في الصُّمِّ أثَّرَ في الصُّمّ

أبي في أمان الله والخلد إنما

بمنهجكَ السامي أسير على رسمي