اذهبْ ولا تشربْ، أما لكَ مشربُ
من واحة النُّعْمى فقَفْرك مُجدبُ
يا طالبَ الماء الذي فيه الظَّمَا
يا تاركَ المروي الذي لا ينضب
الوردُ سيّالُ المناهلِ زاخرٌ
والصَّفحُ هطّالُ الجداول صَيِّب
ورجعْتَ بالصَّدَرِ المُميت ولم تزلْ
بلظَى المعاصي ظامئًا تَتَلهَّب
تجتازُ من بئرٍ إلى بئرٍ إلى
بئرٍ ولا يرويك ماءٌ يسكب
و«الجرَّةُ الملأى» محطَّمةٌ على
نبع الحياة وماؤُها يتصبَّب
والسامريَّة بلَّغتْ أصحابَها
فتهافتوا نحو السَّما وتألَّبُوا
يَرِدون من ماء الحياة، وأنت لم
تَرِدِ الحياةَ، أما بها لك مطلب؟
أم كلُّ ما ترجو قصيدةُ مارقٍ
كالشمس تنعتُها؟ فكيف الغَيْهب
الشمسُ ما باهتْ بنشر ضيائها
فعَلامَ في مدح الغياهِبِ تُطنب؟
والنورُ لا لغةٌ له إلا التي
تَهدي ويَهدي صامتًا ويدرِّب
ما عابَهُ نشْرُ الحياةِ مُعرِّبًا
ومترجمًا فالهَدْيُ ليس يُعلَّب
خلع الضياءَ على العروبة والدنا
فبكل أفقٍ شعَّ منه كوكب
حسبُ الجوانح جُرعةٌ من مائِها
فإذا الجوانحُ كالجداولِ تسرب
وعلى لُغات الأرض أضفَى روْعةً
قدسيَّةً فهْو اللسانُ المذْهَب
استغفرُ النورَ الذي كفر الدجى
بشُعاعه، وعميلُه المُتذبذِب
يا مُدْلجًا والموتُ في سَكعاته
يسعى ويطوي ناظريه السَّبْسَب
ومُلوِّحًا بالآيتين على فمٍ
ما صرَّ إلا ما رواه الجُنْدب
وقصيدةٌ بِنِدا السماء قرنْتُها
وتصفُّحٌ حتى يبين - المخصب
وتبجُّحٌ أن السفاسفَ آيةٌ
عربيّةٌ وهوى المسيحِ مُعرَّب
بئس الغرورُ، فكم يجرُّ على امرِئٍ
لا يشكرُ الوهّابَ إذ هو يُوهَب
بئس انتماءٌ بالهوية كاذبٌ
وضلالةٌ ببطاقةٍ تتحجَّب
ومزاعمٌ أن الذي روَّى الدّنا
رَوّاه ماءٌ من ضلالِكَ طيِّب
الطِّيبُ في ماء الحياة فَلُذْ بِهِ
حتّامَ بئرَ السامريَّة تطلب
وتتيه من عطشٍ إلى عطشٍ ولا
ماءٌ يلطِّفُ حرقةً أو يعذُب
أدلجْتَ ظمآنًا وهل يشكو الظَّما
من راح باسمِ الناصريِّ يُتَبتِب؟
عارٌ عليك وملْءُ بئرِك نعمةٌ
أن تطلبَ الماءَ الذي لا يُشرب