تود الخلود ولا تحذر
أأنت المخيّر أم تُجبر
أتبخع نفسك أم ما علمت
بأنك شانئها الأخسر
تحب البقاء ولكنّ ما
تحب هو الموت أو أكبر
وكم من فتى خالد قد عرفت
إذا صح في الوهم ما يحزر
فتى لو تراه لألفيته
يود الفناء وما يشعر
كأهل القبور سوى أنه
بقيد الحياة فلا يُقبر
له من أمان ومن عزلة
ضريح يسير به مضمر
فلا هو حي ولا ميت
ولا الكون من حوله يعمر
إذا الليل أدركه والضحى
تساوى المحجَّب والمُسفِر
وإن صوّحت روضة أو زكت
فقد أشبه المجدبَ الثمر
وإن خطرت حوله الحادثات
ثناها الجمود فما تخطر
كذلك مات ويدعونه
فتى الخلد من حيث لم يبصروا
وكم قد عرفتُ فتى خالداً
إذا شكر الناس لا يشكر
مخيفاً ولكنه لايخاف
ولا يتمنى ولا يذكر
وليس يحب صباح الوجوه
وليس له أمّة تنصر
وكيف يخاف الذي لا يموت
وفيم الرجاء وما يحذر
وهل يألف الذكر مَنْ أمسُه
كأيامه كلها مصفر
وما الحب إلا ابتغاء الدوام
فمن دام لم يسبه الأحور
وينصر أمته من له
على جذعها المنبت الأخضر
فأما الذي أبواه الزمان
فهيهات ليس له معشر
كذلك كان ربيب الخلود
وكانت تمر به الأعصر
تقضت علاقاته كلها
وقالوا تعلق لا يُبتر
ويهلك عدة أنفاسه
وقد حسبوا انه يُنشر
حياة له مثل عين الضرير
يليها الضياء ولا يظهر
مقصّرة عن جمال الدنى
وعنها جمال الدنى مقصر
كأن النفوس بغير الشيات
صخور تضمنها محجر
فلا هي صيغت لها طلعة
ولا مازِها اللون والجوهر
فيا أيها المترجّي الدوام
يدوم الجماد ولا يفخر
وواعجباً كيف تهوى الخلود
وأنت من اسم الردى تنفر
هل الموت إلا فناء الشعور
وهذا الخلود الذي تؤثر
رويدك إنك أنت الحياة
وفيها محيطك والمحور
وشأوك منها كما تشتهي
وحظك منها كما تقدر
بروج السماوات في طيها
وما غاب عنها وما يحضر
ومن خلف ذلك أغوارها
مذاهب للنفس لا تُحصر
فحسبك هذا وأعظم به
وأصغر بمن عنده يصغر
إذا أنت لم تدر مقدارها
فكيف لما فوقها تنظر
وإن رمت يا صاح تكبيرها
فبالعمق لا بالمدى تكبر