لِدَهْري وُجوهٌ قَدْ بَدَتْ لي كَواشِحا
حَوائِجُهُ نالَتْ شَبابي جَوائِحا
وَجاءَتْ وَراحَتْ دَيْدَنًا فِيَّ عابِسًا
فَقُرْبي بِها بُعْدٌ وَحَتْمًا نَوائِحا
وَجَدْتُ فَما جادَتْ عَلَيَّ نَفائِسي
فَلَولا الفَضا ناءٍ هَجَرْتُ المَطارِحا
وَحَسْبي مِنَ الأَيّامِ ثَأْرُ مُقاتِلٍ
فَإِنْ صافَحَتْني كُنْتُ عَفْوًا مُصافِحا
وَحَسْبُ الفَتى فَخْرًا بِأَحْلامِهِ عُلًا
إِذا ما سَعَتْ في العاذِلينَ نَواطِحا
وَما كُلُّ سَهْمٍ سَرَّ قوْسًا صَنيعُهُ
فَإِسْمُ طُيورٍ كانَ جَرْحًا وَجارِحا
فَغُضَّ بِها يَأْسًا عُيونَكَ حالِمًا
بِعَقْلٍ تَرى الأَحْلامَ صارَتْ مَلامِحا
وَأَحْلِ مَريرَ الذِّكْرَياتِ تَجَلُّدًا
تَذوبُ لَكَ الأَيّامُ شَهْدًا سَوانِحا
أَيا عاذِلي جَهْلًا عَذَلْتَ عَزائِمي
فَفِيَّ أَنا قالَتْ دُهورٌ مَدائِحا
وَحَسْبُكَ أَنّي جامِحٌ في قَصائِدي
فَرُبَّ خَطايا فِيَّ كُنَّ صَوالِحا
وَما نَعْتُ حالٍ في مُحالٍ تذاكِيًا
وَلكِنْ غَزَتْ ميمٌ حُروفًا كَوابِحا
إِذا ما مَوازينٌ أَتَتْ في نَقائِصٍ
مَدَدْتُ يَدي بَسْطًا فَكُنَّ رَواجِحا
صَحِبْتُ أَساتيذًا فَأُسْتاذُهُمْ أَنا
وَذُقْتُ وُحوشًا لا تُرامُ ذَبائِحا
خَبُرْتُ الأَفاعي وَالسِّباعَ فَلَمْ تَكُنْ
كَمِثْلِ عُيونِ الرّيمِ فَتْكًا ذَوابِحا
وَلَمْ تَرَني حُمْرُ السِّنانِ غَنيمَةً
وَلا صُفْرُ أسْنانٍ بَسَمْنَ طَوامِحا
أَلا صُبَّ في كأْسي الشَّرابَ فإنّني
سَكِرْتُ هُمومَ النّاسِ إنْ كُنْتُ سارِحا
وَعَقَّلْتُ في الأفْكارِ كُلَّ شَوارِدٍ
وَضاقَ عَلَيْها القَيْدُ إِذْ كُنْتُ جامِحا
عَذَرْتُ بِها نَفْسي فَلَوْ خَرَجَتْ لَها
أَيادٍ لَكانَ النَّاسُ هَشْمًا قَوادِحا
وَقَدْ جاءَني بَرًّا رَسولٌ وَلمْ أَشَأْ
وَتَطْمَعُ لُقْياهُ المُلوكُ سَوابِحا
وَأَدْنى كِتابًا لَوْ أَذَعْتُ بِسِرِّهِ
لَكانَتْ لَظى الأفْكارِ قَبْلُ مُمازِحا
و نَقْياً حَوى قَلْبي العُلومَ كأنَّهُ
مَلِيكٌ أَبى إلّا العَذارى تَناكُحا
بِعِلْمٍ عَلَوْتُ النَّاسَ لا أَصْلِ عُصْبَتي
وَإنْ كانَ فَوْقَ النَّاسِ شَمْسًا مُبارِحا
وَإِنْ كُنْتُ مَنْ ضَنَّ الزَّمانُ بمِثْلهِ
لَمُجْدٍ لهُ قَوْلاً يُنيرُ القَرائِحا
وَإِنّي لَمُحْيٍ في القَصيدِ عِظامَهُ
وَمُخْرِجُهُ لَحْمًا يَزورُ الضَّرائِحا
وَشِعْري بِقوْلي: كُنْ، فَكانَ، فقُلْتُهُ
وَما لمْ يَكُنْ إنْ كانَ كانَ صَحائِحا
وَإنْ عَقَمَتْ فَهْمًا بقوْلي صَغيرَةٌ
فَقَدْ بَلَغَتْ بَعْضٌ و كُنَّ لَواقِحا
وَإِنْ سُدَّ في الأَشْعارِ بابُ مَسالِكٍ
ضَحِكْتُ، فَفي جَيْبي مَلَلْتُ المَفاتِحا
أَلا يا (جُحا) نُقّادِ شِعْرٍ مَعاذِرًا
وَهَلْ يَفْهَمُ الجَحْشُ الّذي كُنْتُ شارِحا ؟!
خَبيئَةُ حُسَّادِ النُّفوسِ عَميقَةٌ
وَألْسِنَةُ الحَمْقى تَشِفُّ القَبائِحا
وَبِنْتُ الحِمى تُعْطي العَفيفَةَ سِتْرَها
وَ (بِنْتُ الهَوى) غَيْظاً تُزيلُ الوَشائِحا
وَهَلْ طالتِ الكَفُّ النُّجومَ بقوْلِها:
تراكُنَّ أحْداقُ العُيونِ مَصابِحا؟!
وَهَلْ عِيْبَ يَوْمًا بِالسُّيوفِ تَرَفُّعٌ
إِذا ما عَلَوْنَ الحَرْبَ لَمْعًا لَوامِحا ؟!
كَفاكَ بِأَبْياتي فُتُونًا بِأَنَّها
حَشِيمُ وُجُوْهٍ إنْ رَقَصْنَ شَوالِحا
وَهَلْ ضَرَّ أَبْياتي خُفوْتُ زَمانِها
فَإِنْ ضاءَ تاريخٌ أَضَأْنَ المَسارِحا
وَكُلُّ زَمانٍ جاءَ قالَ أُهَيْلُهُ:
أَخِيرٌ، وَماتوا هُمْ وَعاشَ مُراوِحا
وَلا بُدَّ بِيدُ الإِنْسِ وَالجِنِّ عالِمٌ
بِأَنّي شُعاعٌ قَدْ عَلا الشَّمْسَ لائِحا
ب "بابِلَ" راياتي ب "مِصْرَ" ظِلالُها
يَرى العُرْبُ فيها ليْلَهُمْ كانَ صابِحا
وَ عادٍ بِخَيْلي أرْضَ كُلِّ شوَيْعِرٍ
و ماضٍ فإنْ عادوا أَعَدْتُ المذابِحا
و سابٍ مِنَ الذُكْرانِ خُمْسَ عُقولِهمْ
و أرْبعةَ الأخْماسِ أُنْثى موالِحا
ولوْلا بعَرْشِ الشِّعرِ ساقي مَدَدْتُها
لأَسْرَرْتُ في نَفْسي الّذي كُنْتُ بائِحا