فُراتُ يا شاعرًا غنّى فأغنانا
ويا محِبّاً على الآماد روّانا
وردتُ نبعَكَ إن صفوًا وإن كَدَرًا
سرٌّ من الله، طاب الوِرد وازدانا
وجئتك اليوم مجروحًا يسيلُ دمي
هلاّ سمعتَ - قبيل الموت - شكوانا
لا شاكيًا من عدوٍّ جُرحَ أغنيتي
جُرح العِدا هَيِّنٌ يلتام عجلانا
ولا جَحودًا طوى في هول غربته
كنوزَ رِفدك نسيانًا ونكرانا
لكنْ جفاء حبيبٍ بعته عمري
فراح يشتمني زورًا وبهتانا
يا بؤس قلبٍ جفاه الحبّ من ضجرٍ
لا يرحم الله قلبًا للهوى خانا
فراتُ عزمي انثنى من حُرقةٍ حرقتْ
قلبي، وخلَّت إبايَ البِكرَ خذلانا
فراتُ يأسرني شوقي، ويقتلني
صبري، وتعدو بيَ الأيام ألوانا
فراتُ قلبي جنونُ العاشقين به
كمثل فيضك مجنونًا بنيسانا
على دروب الهوى قسَّمتُه فغدا
قيسٌ وليلى عذولي حبِّيَ الآنا
حبّي أعوذ برب الحب من حسدٍ
سماحة الطيب أفياءً وأفنانا
حبّي، أعوذ برب الحب من عتبٍ
ذُخري، رضيتُ بزاد الحب إيمانا
حبي، وجلّت عطايا الله باركني
فغسَّلَ النورُ أرجاسًا وأدرانا
رشفتُ عمري رحيقًا من سُلافته
خمرًا مُصفّى فراحي نال كِيوانا
فراتُ ذابتْ على أشلاء قافيتي
آماليَ البيضُ سُلوانًا وهجرانا
فرات ضاع حُدائي في الشّعاب سدىً
فالركب في صممٍ قلبًا وآذانا
تاهت على الدرب أحلامي مشرّدةً
بين المنى والمنايا عشتُ حيرانا
فرات بي ظمأٌ حرّانُ مستعِرٌ
للمجد يسحب أذيالاً وأردانا
فرات يا خفقة العُشّاق ما رحمت
أمواجُك الحُرَّ في الإعصار سفّانا
أغالب الشوق - لا أقوى - وأكتمُه
حتى رآني خليَّ البال سكرانا
شربت من دَنِّكَ الصّافي معتقةً
سَرَتْ بروحي، فنور الله مرقانا
وما سكرت مع الندمان في سفهٍ
خمري عطاياك إيثارًا وإحسانا
فالخمرُ خمرُك ما كرمٌ وما عنبٌ
والصّحبُ صحبُك سُمّارًا ونُدمانا
آثام شعري - ورفقًا - لست أنكرها
من شهد مائك أنغامًا وألحانا
غابت فما خفيتْ، بانت فما استترت
ضاقت فما رحلت، دانت لمن دانا
وشَّيتُها من جلابيب الهوى عبَقًا
فاهتزَّ حقد الورى، وازورّ غيرانا
وزعتُ قلبي ودادًا خالصًا وندىً
على العُفاة - ولا مَنٌّ - وتحنانا
باقٍ من الشّعر ما روّيتُه بدمٍ
حُرٍّ، تعرّى، فما داجى، ولا مانا
وفي غدٍ سوف تعيا كل ناعقةٍ
تبرَّجت، ومشت في الغيد بطرانا
تبخترت في الحسان الحور واتخذت
لتخفيَ الصّبحَ أصباغًا وأدهانا