في خاطري يا ليلُ تنهملُ
وعلى مدى عينيَّ تتصلُ
والعمرُ منذ نمومه سَفَرٌ
بالبُرْدة السوداء يشتمل
دنيا الرؤى جفَّتْ أزاهرها
مرّ الغمامُ وفاتها البلل
ومزارع الأحلام كاسيةٌ
كانت، وغاب ربيعها الخَضِل
لم يبقَ فيها غيرُ نائحةٍ
لوداع ماضيها وترتحل
يا ليلُ والأيام ما برحتْ
بالموجة الدكناء تغتسل
ضلّ الشراع كما أردتَ له
وامتصّ عزمةَ ريحِهِ كسل
والفجرُ ما للفجر يُخْلِفني
ميعاده؟ أيصدُّه خجل
أم لاح في عينيه من شجني
ظلٌّ فأرعش هُدْبَها الوجل
ولعله وهمٌ تضنّ به
نفسي، فلا يُودي بها الملل
يا ليلُ هذا القفر يرهبني
والصمت في جنبيه يعتزل
لا نأمةٌ لا هفُّ أجنحةٍ
لا نسمةٌ ضلّتْ بها السبل
كالموت يمتدّ السكون به
كالغيب فوق الغيب ينسدل
والظنّ يشفق أن يهمَّ بما
في صدره الموصود ينغزل
عدَمٌ على تخَم الوجود فلا
أبدٌ يحفُّ به ولا أزل
يا ليلُ ما للذكريات ولِي
حسبي عذابٌ ما له أجل
تتزاحم الآلام صاخبةً
في جانحَيَّ تكاد تقتتل
وتثور نار دمي فأطفِئُها
ويعُودها شيءٌ فتشتعل
من خمرة الأحزان لي قدحٌ
لا تنتهي فأنا بها ثَمِل
تبكي المنى إني أهدهدها
بيد الخيال، ويُطرق الأمل