خلودان خُلْدٌ في حمى الرحَماتِ
وخُلْدٌ وعاهُ الدهر في الصفحاتِ
أطالهما عمرٌ تقيٌّ مجاهدٌ
مضى كمرور الطيف في الغَفَوات
ثوى ريثما يبني بعَدْنٍ مقامَه
ويُفضي إلى التاريخ بالحسنات
يُقصِّر عمرَ الورد ريعانُ حسنه
فتخطَفُه أيدي الردى عَجِلات
ويا ربَّ يومٍ في حياةٍ مجيدةٍ
يُعَدُّ بآلافٍ من السنوات
نذمُّ الليالي إن فُجعنا بفاضلٍ
ونحسبها في الخَلْق مُحْتكمات
وما أُوتيتْ كفّاً تَرُوع ابن آدمٍ
ولا أذنًا تصغي إلى اللعَنات
فإنْ قارنتْ خَطْبًا فليستْ مُريدةً
ولكن بأمر الله مُؤْتَمِرات
وما ساق أهلَ الفضل للموت سائقٌ
سوى الفضلِ يحدوهم إلى الغَمَرات
لهم في طريق الفضل سعيٌ إلى العلا
ويجري الردى فيه إلى المُهجات
وحامي ذمار الحق بالعزم والحِجا
كحامي الحمى بالبِيض والقَنوات
فذلك يُفني بالجهاد حياتَه
وذلك يُفنيها على الأسَلات
أتاني على «الأهرام» نعيُك في الضحى
فدبَّ ظلامُ الليل في ضَحَواتي
ولولا ادِّكارُ الله فاضت من الأسى
حياتي، بما صَعَّدتُ من زفراتي
تجلَّتْ أمامي من «أبي الفتح» صورةٌ
وغشَّى سوادُ الهمِّ كلَّ جهاتي
فكنت كأني في دجى الليل ساهرٌ
تراءت له الأحلام في اليَقَظات
نثرت دموعًا لو بوسعي نظمتُها
رثاءً ولم ألجأ إلى الكلمات
وللحزن معنًى تجهل النفس سرَّه
فكيف تراه العينُ في اللهجات؟
فمن لي بألفاظٍ تُري العينَ حُلكةً
لأفئدةٍ بالهمِّ مُصْطَبغات
أُولِّفُها مرثيَّةً تُظهر الأسى
سطورًا كجُنح الليل مُعْتكرات
ومن لي بشعرٍ يُشعر الناس حرقةً
وَجَدنا بها الأكبادَ مُنْصَهرات
وهل يستطيع القولُ إبرازَ ما سرى
خفيّاً بسرِّ القلب من وَخَزات
فأَنْسقَ منه للرثاء قصيدةً
مؤلَّفةَ الألفاظ من جمرات
فأنْظِمَ آلامًا ترى العينُ كُنْهَها
فتُبصرُ ما بالقلب من فَتَكات؟
لكل مُحَسٍّ في الوجود أداتُه
وليس لدرْكِ الوجد من أدوات
نسوق سحابَ الصبر يندَى أديمُه
لنطفئ ما بالقلب من وَقَدات
فإنْ حام حول القلب مسَّتْه لفحةٌ
مَحَتْهُ، فلم ينهلَّ بالقطرات