هو الليل تُطوَى في رؤاه سرائرهْ
وتُلوى على زند الظلام ستائرهْ
هو الليل شدّ الحالمين ولم تزلْ
بقاياه يطويها من الفجر سادره
هو الليل ما رقَّت عيون ظَلاَمه
ولا طمستْ في راحتيه غوادره
ولكنّها ظلت تطوف بكل ما
تؤرقها عند الحنين نواظره
هو الليل رفّت في هوادي سكونه
خفايا قلوب أثقلتْها أواخره
فماجت على سمع النواجي لحونُها
تهدهدها في الساجيات دياجره
يطوف على أرض السماحة حلمها
ويهفو إلى بطحاء مكة ساهره
وينساب عند الفجر لمح طيوفه
تطرّزه بالشوق منه ظفائره
عزائمه من كلّ فيضٍ سماحةٌ
وأصداؤه في كلّ قلبٍ نواشره
وأقباسه في ملتقى الفجر خفقةٌ
تجدِّدها للحالمين خواطره
هو البيت والأم الرؤوم ودمعةٌ
على خدِّ شيخٍ أضمرَتْها محاجره
وكفٌّ إلى الباري ودعوة صابرٍ
خوافقُها رقّت عليها بشائره
فكان له منها خواطر مُثْكلٍ
يؤمّل بالمولود ما هو ضامره
ليمضي به حزن السنين وما طوتْ
وما ظلَّ في ذكراه منها يحاوره
وما بقيتْ من ذكرياتٍ عزيزةٍ
تعيد له من سالف الذكر حاضره
تضرَّع عند البيت يستذكر الرجا
وشقّتْ عليه في التمني مشاعره
ولاح له وجه الوليد وقد زهت
على ثغره من دمعتيه سرائره
فهلَّل بالبشرى وأسعد بالرؤى
وعزَّتْ عليه من رؤاه محاذره
فقام يشقّ الدرب صوب ثنيَّةٍ
تسارعَ في أرجائها ما يخامره
يطوف على الساعين يرتقب الخُطا
وتُطوى على صمت الضلوع هواجره
فما راعه صوتٌ من الشعب غامرٌ
يناديه بالبشرى وقد جدَّ طائره
ولا ردّه من جاءه بعد فرحةٍ
من الشوق تحدوه إليه مصادره
إلى أن رأى وجه الوليد مُنوَّرًا
وقد طفحتْ بالنور منه نواظره
فطافت بصمت الشيخ ذكرى عزيزةٌ
تراءى له الحلم الذي هو ذاكره
ودارت على وجه الليالي كريمةٌ
بوارق ليلٍ أسلمَتْها مشاعره
وكان دعاء الشيخ حمدًا لنعمةٍ
تذوِّبها في مقلتيه بواكره
تجود بها في كلّ صقعٍ محامدٌ
وتنشرها في كل أرضٍ مآثره
وكان صدى أنوار وجه محمدٍ
يجوب الفلا والبِشْر تسمو مفاخره
فهزّ عروش المشركين مهابةً
وريعتْ من الإيوان رعبًا مقاصره
هو المصطفى شعَّتْ طلائع فجره
وشقّتْ دياجير الظلام سوافره
وساحت على بطحاء مكةَ نفحةٌ
ومن تربها الزاكي تفوح أزاهره
وتنساب من أفيائها كلُّ خصلةٍ
تعززها في كلّ وجه أواصره
فتاهت جموع الشرك تبغي نجاتها
وقد أيقنت ألاّ مفرّ تغادره
وظلّت بقاياهم من الرعب ترتمي
بمقفرةٍ والموت دارت دوائره
وضاقت عليها الأرض وهْي رحيبةٌ
وحاقت بها من كلّ رَبعٍ ظواهره
فما وجدوا إلا الرسول شفيعهم
به يَرتجي يوم الشفاعة ذاكره
هو المصطفى نبعٌ تسامت خصاله
وعزَّتْ سجاياه، وطابت عناصره
سما فانبرت سود الليالي منيرةً
وزيحت عن الصمت البهيم جرائره
وأشرق رجه الصبح بعد مُحولهِ
يراوح في وديانها ويباكره
ويروي من الأرض اليباب مفازةً
تَناوبها من نفحة الغيث ماطره
هو المصطفى ألوى من الشرك عصبةً
لها من طوايا الشر ما شطَّ حائره
فراحت وقد ظلت سبيل رشادها
يراودها من نزعة الشرك ناصره
نبيّ الهدى والذكر ملء حديثنا
وصوت العلا تسمو علينا ضمائره
على أرضنا جاؤوا بحشد جيوشهم
وقد ركبوا من كلّ درب مخاطره
فما كانت الحسنى رِضًا لطموحهم
ولا أقنعَتْهم من كريم بصائره
ولا أيقنوا أن الصبور على الأذى
حليمٌ وأن العزّ أسماه صابره
ولا أدركوا سر المروءة والوفا
وأن الذي خاضوه تُخشى أواخره
إلى أن مشيناها بجندك صولةً
بكل عزيز البأس تُدمي بواتره
أضَأْنا لهم ليل السواد بفتيةٍ
يَزين سجاياهم من اليأس قادره
بزاد الهدى شدوا النفوس على الظُّبا
فكان لهم من كلّ مجدٍ مفاخره
نبيَّ الهدى طال المحارمَ خائنٌ
يوالي أعاديه ويخذل ناصره
دعا كلّ باغ أرَّق الحقد جفنه
فلا الإثم ثانيهِ ولا البغي زاجره
ولا ذكْر أيامٍ عُلا المجد عزها
لها في صدى التاريخ ذكرٌ تسايره
كأنْ لم تعش تلك الوقائع يومها
ولم تلتق في الفتح يومًا عساكره
ولم يسفحِ الطهرُ النجيعَ على الربا
غداةَ اعتلت متن الحِمام مساعره
أباح لهم مجد البطولة مرتعًا
لهم وثرى الأجداد دنس طاهره
نبيَّ الهدى صوت الجهاد يهزنا
وهذا لواء الحقّ تعلو منائره
طوينا به عزّ المكارم والوفا
فلله نرضاه وللعز آخره