أَجدُّكَ ما يصحو لها غمرةٌ سُكْرُ
تمادت فلا يخلو بها من جوىً صَدْرُ
ولا تسترقُّ القلبَ في الدهر سلوةٌ
فإنْ طال فينا بعد معقوده الدهرُ
ولا يشتفي بالدمع باك ولو جرى
إلى قلبه من فيض أجفانه نهرُ
ولا تخمد النارُ المثيرة في الحشا
ولو مطرت تحت الضلوع لها جمرُ
وكيف وقد أصمى أبا مسلم الردى
وجنَّبنا حُلوَ الحياة القضا المرُّ
وأغدر فينا بعد إشراق نوره
زمان لحاه الله شيمته الغدرُ
فليت الليالي قاسمتنا صروفها
وكان لها شطر، وكان لنا شطر
أَعاذلتي لو أنصف الموت لم يعشْ
لموتِ ابن عبد الله عبدٌ ولا حرُّ
وما الشعرُ كفْءُ الرُّزءِ فينا ولو غدا
لهذا المصاب اليوم يستنفد الشعرُ
ولكن جرى رسمٌ بذلك أوَّلٌ
يعزَّى به مجدٌ ويبقى له ذكرُ
ولما قضى "مجدُ القضاة" تبينت
جهالة غاوٍ أنَّ قد أزف الحشرُ
بنفسي كريم كان يلقى عُفاتَه
إذا قابلوه منه قبل النَّدى البشرُ
بنفسي كريم كتبُهُ بعد طيِّه
يُبيّن علمَ المشكلات لها نشرُ
مضى عن حميد الفعل فينا جزاؤه
من الله والناس المثوبة والشكرُ
يخفِّف عنه كل ثقل صنيعُهُ
ويثقل عطفيه المحامد والأجرُ
فتى كان يحذوه على حسن عفوه
عن المجرم، الأصل الذي طاب والنجرُ
فتى مازجت في جسمه نفسَه العلى
كما امتزجت بالماء في كأسها الخمرُ
إذا ما خطا في المجدِ باعاً تقاصرت
خُطى غيره أن يستقل بها فترُ
شهاب جلت أنوارُه كلَّ بُهمة
إمام هدىً للمهتدين به، حَبْرُ
ليبكيه في العلياء رتبةُ مجدِهِ
ويندبُه في الجود نائله الغِمْرُ
وما كان دحرى بالمعرة بلدة
ولو فاخرتها فيه بغدادُ أو مصرُ
أمسجده كيف اسستطعت تثبتا
وقد غاض منه تحت تربتك البحرُ؟
يعزّ على أهل الشآم ومَن به
أبا مسلم إن عزَّ عنهم بك الصبرُ
وإلا لَقوا ضرباً وطعناً تقطعتْ
به فيهم البيضُ القواطع السمرُ
وذاك كميٌّ قد دعا الموتَ باسمه
وأنحنى إليه دون مصرعك النحرُ
إذا ما اقتضى في الحرب عضباً أو اقتَنَى
قناة فمن زيدُ القنا ثم أو عمرو؟
يمرِّر حلو العيش في فيه أنه
يرى الغبنَ أن يحويك من دونه قبرُ
ولكن إذا الخلاق أمضى قضاءه
فما في يد المخلوق نفعٌ ولا ضرُّ
ودنياك لم يعصم من الحين والرَّدى
بها بطلاً فتْكٌ ولا أسداً زأرُ
يعزّ علينا أن نزورك ثاوياً
ودارك منك اليوم موحشة قفْرُ
هي الكعبة المفروض في الناس حَجُّها
ومسجدك الأقصى، وتربتك الحِجْرُ
وأركانُ هذا البيت كالركن حرمة
يوفَّى بها دَين، ويقضي لها نذرُ
وفي أن يُراق الدمع حول ضريحه
لأعظمُ أجراً أن يريق الدمَ العترُ
وما ظهرت للقطر بعدك بهجةٌ
هو الدهر لا ينفك بعدك معتماً
وإن طلعتْ شمسٌ أو اكتمل البدرُ
سقى جدثاً أُوْطِنته كلُّ عارضٍ
يصوبُ بما تَهمي أناملك العشرُ
وإلا سقاه من يديك غمامةٌ
قريبٌ بها عهدي إذا احتبس القطرُ
وفيك أبا المجد الذي فيه كلّه
صفاتك عن أوصافه البيض تفترُّ
سليل أبيه والغذي لُبانه
إليه انتهى من بعده النهي والأمرُ
تقوم بمسعاه الذي كان ساعياً
فما دون ما تبغي حِجاب ولا سَترُ
ولو لم يكن هارون أهل خلافةٍ
على الأمر لم يشدَد لموسى به أَزرُ
يرجِّيك عصرٌ أنت فيه وأهله
ويخشاك دهرٌ عنده لكم وترُ
وفي غيل ذاك البيت إذ غاله الرَّدى
ثلاثة أشبال ضراغمةٌ عفرُ
كواكب أفق يُستضاء بنورهم
فلا أفلت منه كواكبه الزُّهرُ
وحسبُكَ من أنجابك الغرُّ أنهم
أبا المجد للمجد المنيف همُ الصدرُ
تعَبَّد "عبد الله" كلاً بفعله
وأحرز كسب الشكر من قبله "شكرُ"
وحولك من أبناء عمِّك أنجُمٌ
بهم في غياهيب الدجى يهتدي الشعرُ
شموسٌ وأقمار إذا ناب نائبٌ
بدا منهم في كلِّ مظلمة فجرُ
أضاءتْ لهم أنسابهم كلَّ مُغْدر
يُرَقِّي إلى العلياء مسلكه وعرُ
فنال بها "مَرضيّ" ما نيله الرضى
وأدرك منها "مُدركاً" ما انتهى النسرُ
وخالت سليماناً "سليمان" قد رقتْ
إليها به ريحٌ مسافتها شهرُ
وألفت "أبا نصر بن زيد" و "أحمدا"
أناف على من سنّها لهما قدرُ
أولائك قومٌ أقومُ الناس بالعلى
على ذاك منّا أجمع البدو والحضرُ
هم الخلَف الباقي من السَّلَف الذي
على من مضى أو من سيأتي له الفخرُ
أصولٌ زكت منها فروعُ غصونها
لها الثمر المجنيُّ والورقُ النضرُ
أُولوا الحسب الباقي توخوا محلة
من المجد أضحت فيه وهي لهم بكرُ
أرى كل ذي قدر وإن جلَّ قدرُهُ
به وإن استغنى إلى جاههم فقرُ
فمن لا يواليهم ويرضى رضاهم
ويُسخِط من عادوا فإيمانه كفرُ