بخورٌ... بخورٌ... بخورٌ... بخورْ!
ويحترقُ العودُ في المبخرهْ
ويصعدُ منها دخانٌ كثيفٌ يغطي العيونَ
لكيلا ترى مَنْ يصوغُ القرارْ!
وماذا سيكتبُ بين السطورْ!
وبين الوفود تدورُ المباخرُ والأرضُ فينا تدورْ!
وتزكم آنافنا حيث لم نعد اليوم نشْتمُّ رائحةَ المجزرهْ!
وتحتدم الإتهامات في مجلس الجامعهْ
ويعلو الحوارْ
وتبدو الأصابع ما بين مرفوعة تطلب القوة الرادعهْ
وما بين رافضة مانعهْ
وكان القرارْ!
بأن يفتح البعضُ أبواب حصن المدينةِ
حتى يمرَّ التتارْ...
عياناً جَهاراً بعزِّ النهارْ
لثنْي شموخ النخيلْ...
لتلويث مهدِ أبينا الخليلْ...
لإغراق بغداد في بحر دَمْ...
لإطفاء مجد الأمين وهارونَ والمعتصمْ
لكي يقرأوا معنا سورة العادياتِ التي بعدها القارعهْ!
وكان الحصارْ!
وحبس خيول الرشيدْ
لئلا تحرك فينا جمودَ الشعورْ!
وإرجاع عزتنا بارتفاع الصهيلْ!
وكيلا يحرك وقع سنابكها نخوة حُنطتْ في الصدورْ!
فنحن الذين جلبنا التتارْ
ونحن الذين نصبنا المشانقَ قبل العبورْ
لإعدام مجد العربْ
ونحن الذين جمعنا الحطبْ
ونحن الذين شببْنا اللهبْ
لحد احتراق أصابعنا في لظى جرمنا المُرتَكَبْ
بإدخالنا الأجنبي الغريب لغرفة نوم العراقْ
وقلنا اصمتي لا يجوز الصراخُ
وداري الفضيحة كيلا يطالَ جبينَ العروبة عارْ!
ونحن الذين وضعنا أكاليل فلٍّ وغارْ
على هامة المغتصِبْ!
وفوق جبين الضحية جمراً ونارْ!
وسوطاً على ظهرها مسلطاً للعذابْ
وسيفاً على عنقها...
وشحذنا المقصلهْ
وبعد نفاذ العقوبة حداً
رفضْنا الصلاة عليها
وقمنا نُهيلُ عليها الترابْ
ونتلو على قبرها سورة الزلزلهْ!
جلبنا احتلالاً وراء احتلال كعادتنا من جديدٍ
إلى الدار طوعاً
فمن يطرد الإحتلال الجديدْ؟!
ويكسرُ بالعزم درعَ الحديدْ!
ويفلت من قبضة السلسلهْ!
ويجرؤ أن يسألهْ!
لماذا بقيتَ وقد حُلَّت المعضلهْ؟!
وأنجزْتَ ما قد عجزنا جميعاً
بظل التشرذم أن نفعَلهْ!
ويطلب منه الرحيلَ لدى هذه المرحلهْ!
ويعلن أن ما قبلناه بالأمس
لن نلزم اليوم والغد أن نقْبَلهْ!
مضى اليوم عقد طوته الدماءُ
وقد لفه الليل لفّا
ويُغتالُ في كل يوم حسينٌ
فتنْدبُ فقدانه كربلاءُ
وبغداد مازالت اليوم مستهدفهْ
ومجداً يُصفّى
ولم يمض عنها البلاءُ
وفيها الطفولة مستَنزَفهْ
وقد جَمَعَ الشرُّ من حولها أمس حِلْفا
وأطفالها في الحصارْ
يموتون جوعاً وخوفاً وقصفا
يموتون ألفاً فألْفا
وقد أصبحوا اليوم مليونَ طفل ونصفا
ونحن وقوفٌ... نعُدُّ الضحايا
نقدِّمُ عطفا
ونبدعُ وصْفا
ونأمل من مجلس الأمن أنْ لا يديمَ الحصارْ
ونحن نردد كالببغاء قراراته المجحِفهْ
لكيلا يقال علينا تحدَّوْا شريعة سامٍ
وكانوا لها منه بالأمس أوْفى!
ونخشى على نفسنا من سلاح الدمارِ
بأرض جلبنا إليها الدمارْ
بأرض تشيِّعُ أحبابها كل يوم وفي كل دارْ
وتلعن في زمن القهر من خانَ من مضرٍ ونزارْ
وتنْعى ارتدادَ العروبة عن نهجها وانْحرافَ المسارْ
ونسج الأحابيل خلف الستارْ!
لقد مات ناجي العليُّ
ومازال حنظلة بعده صامتاً يرقب الذل فينا
ونحن نفتش عن حنظلَهْ
لكي نقتُلَهْ
وندفن آخر شاهد عصر علينا
تحرر من قبضة المخبرينْ
ومن أعين الراصدينْ
ومن سوط جلاده في السجونْ
ومن طلقة في مسدس مستأجَرٍ
خائن لا ضميرَ ولا عهدَ لَهْ
فماذا نقول لتبرير تشريدِ شيرينَ فوق الرصيفِ
ومن مثلها طلباً للرغيفِ
بأحلامها الضائعهْ؟!
ووأد الطفولة في مقلتيها اللَّتَيْن هما
ترجُمانُ معاناة شعب العراقْ
وما بلغتْ بعدُ من عمرها التاسعهْ!
وماذا سنقرأ في الأعين الدامعهْ؟!
وفي لهفة الأمهات الثواكل فلذاتِ أكبادهنَّ
لدى هذه الفاجعهْ!
وكيف نطهِّرُ آثامنا المثقلَهْ؟!
ونجرؤ أنْ نحزمَ الأمرَ كي نوقفَ المهزلهْ!
فمنا الذي لم يزلْ يحتسي نخْبَ قتل العراقْ!
ومنا الذي قد أفاقْ!
وماذا نقول ل شيرينَ لو جاءَتِ اليومَ
تسأل عن مقعد الدرس والمعرفهْ؟!
عن السر في حزن بغدادَ...
عن حقها في الحياة كباقي اللَّداتِ
على الأرض في الدول المتْرَفهْ!
فنلجأ عند الإجابة للفلسفهْ!
لتبرير ماذا يدور بظل حصارٍ
غدا الموتُ فيه حليبَ الصغارْ
وخبزَ الكبارْ
ووجهاً دميماً يطالعُنا كلَّ يومٍ
ونُرغَمُ أنْ نألَفَهْ!
وحين تصيرُ الصغيرةُ شيرينُ في الغد أمّاً...
ولمْ يَصِلِ الموتُ للطفلة المُرهفهْ
ستحكي لأطفالها كلَّ يومٍ
حكايةَ بنتٍ بعمر الزهورْ
تبيعُ البخورَ على الأرصِفَهْ!