تأوِّبَني والليلُ بالصبح مزعجُ
خيال له في حِنْدِس الهمِّ منهجُ
يكلِّف جفنيَّ الغِرارَ لعلَّه
إلى النفس في طيّ الكرى يتدرَّج
ويَعْذلني في السّهد ياطيفُ رحمةً
فإني إلى زَوْرِ الكرَى منك أحوج
وهل نام قبلي في دجَى الليل ذو جوًى
تبيت به أحشاؤه تتوهَّج؟
طَليحُ أسًى لو أن بالليل همَّه
يضيق له صدر الظلام ويحْرَج
إذا ما بكى أبكى الحمامَ على الرُّبا
ألم ترها في لحنها تتهدّج؟
لقد سلبتْ جفني يدُ النجم غَمْضَهُ
ألست تراه حائرًا يتخلّج؟
وأرّقني من جانب الروض نفحةٌ
بأنفاسها ريح الصَّبا تتأرج
وما شغلت عيني عن النوم صَبْوَةٌ
بها شاقني طرف من الْعِين أبْرَج
ولم يُنْسني حظي من الحِلْم والنُّهَى
جبينٌ يروع الشمس بالحسن أبلج
ولا بات يغريني بمعسولة اللمى
إذا ابتسمت، ذاك الجُمان المفلَّج
ولا ذرفت عيني لركب يَشُوقُني
غداة النوى، فيه خِباء وهَوْدَج
لويتُ زمامَ النفس عن سنن الهوى
وخلِّيت أتراب الهوى حيث عرّجوا
ورحتُ إلى ما يبتني المجدَ للفتى
وأدلجْتُ في ركب العُلا يوم أدلجوا
وما المجد إلا حيث حلّت رباعُنا
له في نواحيها ظلال وسَجْسَج
إذا أجدبت أحسابُ قوم سما بنا
على الناس جيَّاش الغوارب مُرْتَج
لنا الباذخات الشمُّ تعلو قِلالها
على كل ما شاد الأنام وبرَّجوا
سلوا الدهر عنا في القديم فإنما
بأسلافنا يذكو قديمًا ويَأْرَج
هو الشرق مجلىَ النيِّرات ولم يزل
ضياء ٌعلى الدنيا من الشرق يَبْلُج
ومبعثُ رسْل الله للناس رحمةً
تَسُنُّ الهدى للمهتدين وَتْنهَجُ
ومهبط أملاك السماء، عليهمُ
تَنزَّل بالذكر الحكيم وتعرج
وما زال منا كلُّ أروعَ سابقٍ
بسيرته الأيام تشدو وتلهج
ففي مصرَ خِنْذيذٌ وفي الشأم مُفْلِقٌ
وفي نجدَ فحْلٌ والعراقين مُفْلِج
شعوب لتكريم البيان تألَّفت
كما ائتلفت في الله أوسٌ وخزرج
أهاب بهم إخوان شوقي فأقبلوا
وفودًا بهم تُحْدَى الرِّكاب وتُحْدَج
يحيُّون مصرًا في تحية «أحمدٍ»
وأمَّ اللّغَى فيما أجادوا ودبَّجوا
فقف ساعة يا شاعر النيل تستمع
نشيدَ المعاني في مديحك يُهْزَج
يرجِّع بالإحسان بين يديك ما
سننتَ له والحسن للحسن يُنْتِج
رأوك بديعًا في الجديد فأبدعوا
وعُجْتَ على حسن القديم فعوَّجوا
وفي الناس من عادى القديم سفاهةً
وأغلق عينيه الجديدُ المبهْرَج
أبى الله إلا أنْ يكون بمجده
قديمًا وراح الملحدون فلجلجوا
أخي والسُّلاف البابليُّ بيانه
يُعَلُّ به السحرُ الحلالُ ويمزَج
إليك نسجنا في القريض عواطفًا
تحاك على صدق الوفاء وتُنْسَج
تُقدِّمُها «دارُ العلوم» تحيةً
لشوقي كَنَوْرِ الروض أو هِيَ أبهَج