ما بالُ شعرك بالبياض تَخضَّبا
فبدا على عهد الشبيبة أشيبا
أم ذاك لونٌ قد غدا في عصرنا
في عُرف ربّات التجمُّل أصوبا
يا دميةً إن أسبلت فرعًا لها
سَدلتْ على أفق البريّة غيهبا
وإذا انثنت أرخى الظلام سجوفَه
والبدر كُوِّرَ في الفضاء مُغرّبا
كيف استعضت عن السواد بأبيضٍ
وكسوت هذا الفرع ثوبًا أشهبا
ورضيتِ بالشيب الذي يدعو إلى
يوم الرحيل وأنت في غضّ الصبا
واخترتِ توديع الشباب بلا أسًى
ودعوت أهلاً بالمشيب ومرحبا
والعمرُ في سوق التجمُّل بعتِه
يا ليت هذا البيع صادفَ مكسبا
لا بِدْعَ أن جازفتِ في زمن الصبا
فالوهمُ يجعل كلَّ ذا مستعذبا
اللهُ أكبر فالحياة رخيصةٌ
في عُرْف من تَخِذَ التجمُّلَ مذهبا
كم غصنِ قامتكِ النحيف هصرتِه
ضمنَ المشدِّ فبات فيه معذَّبا
وأديمُ طلعتكِ الرقيق طليتِه
فغدا بألوان السموم مخضَّبا
ولكم حسرتِ عن الترائب حيث لا
تخشينَ من بردٍ يهزّ المنكبا
قلّدتِ بنت الصين في لبس الحِذا
أرأيت هذا للتجمُّل أقربا
موَّهتِ في دعوى المشيب فقام ذا ال
وجهِ النضير لما ادعيتِ مُكذِّبا
وافى لقاضي العدل يرفع أمره
متظلِّمًا ولحقِّه متطلِّبا
إذ قد سدلت الشيب فوق ملامحٍ
حاكت غضاضتها رياحين الربا
فرعٌ كفرع الحيزبون مضفّرٌ
في رأس غانيةٍ لها قَدُّ الظّبا
فبدا محيّاكِ المنير ككوكبٍ
يغشى بياضُ الصبح ذاك الكوكبا
والشيبُ عنوان الكمال وإنني
لم أُلفِ شيبكِ عن كمالك مُعربا
قالت تمهَّل ْيا فتى واعذرْ ولا
تكُ في الذي منا تُرى متعجِّبا
للخُود زِيٌّ ليس يثبت فهو كال
حرباءِ يُبصَر دائمًا متقلِّبا
يحتلنَ فيما يجذب الأبصار إذ
يوددنَ لو أصبحنَ مثل الكهربا
ولقد يُحدِّبنَ الظهور تجمُّلاً
إن كان للإبصار ذلك أجلبا
فإذا تكلّفنَ المشيب تصنُّعًا
لم يبتغينَ سوى الخديعة مطلبا