ندمتُ ولكن ليس يغني تندمي
على ما مضى من عمري المتقدِّم
فقلت لدنياي إلى كم تحمحمي
إليك ذريني والجوى لا تقدميفما أنت لي دار الإقامة فاعلمي
إلى كم على طول المدى أتوسلُ
وكم في علالات المنى أتعللُّ
واعلم أني لستُ فيك مؤمل
ذريني فإني مدرك لك مهمللوصلك بالآمال غير محرَّم
فقلت لها مذ أدبرت فترة الصبا
وبعد شبابي الغضُّ قد عدت أشيبا
وأبصرتُ في عينيَّ منها تقلبا
فإنك دنيا برقها صار خلباجهام متى يرفع بناؤك يهدم
مضى زمني من بعد ما كنت موسقا
بشرخ شبابي الغضُّ والغصن مورقا
فبدَّلت من بعد السعادة بالشقا
وأنك لا يرجى نعيمك بالبقامتى تملكي قلب امرئٍ منه تنقمي
فلمَّا رأيت الدهر غير مؤنتي
وفي الحشر والدنيا كظهر مؤنتي
رجعت إلى تعنيف نفسٍ خؤنتي
كزارع زرع شام بارق جونةِفلمَّا بدت ولَّت بغير تكرم
فلا تسألنَّ العذر في الدهر أنه
غدورٌ ودنيانا الدنية تهنهُ
إذا المرء يرجو منها عوناً فإنه
سيصبح من ذيَّاك يقرع سنهومن يرجُ ماءً من يد الآل ينعم
فويحك دنيا ما طلعت بمنحة
من الدهر إلاَّ أرفقت بقبيحة
فيا لك منها لو علمت فضيحتي
وعندي لمن يهواك خير نصيحةِله في معاني شرحها خير مغنم
سأرشده يا صاح إن كان يرشدا
ويصلح أمراً كان بالأمس مفسدا
ويعرض عن سبل الضلالة للهدى
يوالي ولاة الأمر ثم محمدافحبهم فرضٌ على كل مسلم
يعمّر ربعاً كان بالأمس قد عفا
بمدح أناسٍ ليس في مدحهم كفا
هم جبل الإيمان والصدق والوفا
هم العروة الوثقى هم الركن والصفاهم الحج والمسعى هم بئرُ زمزم
هم معشرٌ طافوا على الشهب والسهى
وفاقوا على أهل المكارم والنُهى
وجازوا العلا بالحلم والعلم والبها
هم شجرة الطوبى هم سدرة النهاهم جنة المأوى ونار لمجرم
أرى القلب من سكر الشبيبة قد صحا
وغصن شبابي عضَّه الدهر أو لحا
وحتى ذنوبي أكرم الخلق قد محا
هم التين والزيتون والشمس والضحىوطه وما قد جاء في فضل آدم
فإن أعطياك الأصغرين فهن هما
كذا النفس إن تغلب عليك تفهما
وأرجع إلى سبل النبي ففيهما
هم مرج البحرين يخرج منهماقلائد در في الأنام منظَّم
هم قتلوا إبليس عمداً إذا عتا
هم رحلة للناس في الصيف والشتا
هم الكهف والصافات أيضاً وهل أتا
هم ك ه ي ع ص وما أتىمن الآي في ميلاد عيسى بن مريم
هم حسموا كل امرئٍ عن فساده
وكل عنيدٍ ظالمٍ عن عناده
هم الغيث غيث اللّه عمَّ بلاده
هم حجج الرحمن بين عبادههم الحبل حبل اللّه لم يتصرم
توسَّلت بالقوم الكرام ونسلهم
وعنصرهم في الماضيين وأهلهم
وكل نبي مرسل كان قبلهم
فيا رب اجعلني بهم خادماً لهمفقال له أنت المقرَّب فاخدم
فقلت وكم بالعدل قد راح معتدي
عليَّ وما قد كنت أرجوه مسعدي
إلى من بهم سبل الهداية نهتدي
أعاذل ذرني في هوى آل أحمدوإن تك في حلم الهوى حائزاً لمِ
يعدُّ لك الحسَّاد والبغض والعدا
وتشغلني باللوم في طلب المدى
فقد كنت أرجو منك نصراً وسؤددا
أتعذلني في حب قوم هم الهدىإلى سبلٍ يحيي رجا كل مظلم
فقد خزل الشيطان من كان حزبه
ووالى إله العرش من كان صحبه
وأفلح من رام السجود لربه
دع الشك واعمل باليقين تفز بهوسلّم إلى داعي المحقين تسلم
وكن واثقاً باللّه يا صاح وحده
وبالقائم المهدي للناس بعده
أجبه فإنَّ اللّه أهلك ضده
ألم ترَ أن الضدَّ إبليس صدَّهمخالفة عند السجود لآدم
إذا هلَّ غيث العلم في يوم ماطر
فروضاً طوال الدهر تسري بخاطري
وإني للأشياء أرنو بناظري
أقول وإني تحت قدرة قادرمطيعاً وقول الصدق ما زال في فمي
وأبصرت في شأن العلى أي بصرةِ
يكون لها في أسود اخلق حصرة
فقلت ولكن يا أخي بعد عصرة
ستعلو بإذن اللّه أعظم نصرةنزارية ما بين فرسٍ وديلم
طغوا يوم قتل ابن البتول تعسفا
وراموا بأن يخفى على اللّه ما خفى
فلا بد من نصرٍ عليهم فيشتفا
ويملأ عدلاً بعد جورٍ وينطفىلأعداء آل المصطفى كل مضرم
ولمَّا استباح الظاعنين ذوو الحمى
ولا عزَّ من قتل الحسين ولا حما
لقومٍ بكت منهم ملائكة السما
خلعت عذاري في هواهم تقحماومن يرجُ بحراً زاخراً يتقحَّم
سأكتب عنهم بالصحائف ما جرى
عليهم ويدري مؤمن ما يكن درى
وأقتلُ من عاصى الرسول وافترى
وكيف يراني عنهم متأخراوحبهم بالقلب يجري وبالدمِ
إذا ما تيممتَ الحجاز فحيّهم
وقل لهم إني أعيش بحيهم
ولم ألتفت في القول للكفر أيهم
ولمَّا رأيت الناس في بحر غيهميقولون لن ننجو بغير معلم
فألبستُ جسمي حلة الفكر والضنا
وحملت نفسي غلة الوجد والعنى
تقلقلت ما بين التناسي والمنى
وأيقنت أن لا بد ما دامت الدنالكل زمان من إمام مترجم
ولمَّا رأيت الضد قد غاب عقله
وغطَّى عليه في الحقائق جهله
رجعتُ إلى تعنيف من كان قبله
وفتشت كي ألقى الصلاح وأهلهومن يك فتَّاشاً على الحق يغنم
وعاصيتُ نفساً طاعت الغي والهوى
وكل امرئٍ عن منهج الحق قد غوى
وأحميت ذاتي بالتمائم والدوا
مجيباً لداعي اللّه في القرب والنوىأجوب الفيافي معلماً بعد معلم
ورحلتُ عيسي للنوى ونهلتها
وحين دعا داعي الثرى لي دعيتها
ولمَّا دنا التعريش منها فركتها
من الحلة الفيحاء حتى تركتهاوبغداد خلفي لا أطأها بمنسم
ولكنني ممَّا عراها أنختها
وجاءت إلى الإيوان شوقاً لأختها
وثورتها عند المسير لتختها
على جانب الزوراء حتى فسختهاحريفين واجتزت القليب مخيم
ولمَّا استهانت بالطريق وبعدها
وأيقنت الدهناء أن حان سعدها
ضربت بسوطي ساقها ثم فخذها
ووافيت سامرَّا وتكريت بعدهاوقلت لصحبي بالقليب ترنمي
وأمسيت فيها للمبيت منوخاً
بربع أناسٍ معدن الجود والسخا
وباكرت مسراها عن الخير والرخا
وجاوزت نخلاً بالبوازيج شمَّخاأجوب فجاج الأرج جوب المصمَّم
فراحت تباري الناجيات برحلها
وقد عدمت من شدة السير عقلها
فكم منزلٍ أطويه بالسير قبلها
وزحتُ عن الحدباء بغضاً بأهلهافقد جمعت أكنافها كل مأزم
وسرت على اسم اللّه سيراً معجلا
أحث ركابي كالنعامة في الفلا
وأوردتها من كل مرٍّ وما حلا
ولم يك لي في تل اعفر منزلافدينهم دين اللعين ابن ملجم
ولم أنس من حث المسير عقابها
وقد ملأت من كل شيء حقابها
ودام إلى وقت الزوال ارتقابها
ولم ألقَ في سنجار من يلتقى بهاسوى دلو بئرٍ نازلٍ قعر مظلم
فوليت عنها وهي تشكو تألما
وتبدو لماماً بين عسرٍ لعل ما
إلى أن وصلنا أكرم الناس مكرما
وسرت حثيثاً من دنيسر بعدماجعلت إليها من نصيبين مقدم
فكم منهلٍ من مائه قد رويتها
وكم وهدةٍ مجهولة قد طويتها
ولمَّا تحاماها السرى وحويتها
فخلَّيتُ رأس العين لمَّا رأيتهاوحران لم يستبشران بمسلم
وأثنيتها عن ربع حرَّان
رحيل مشوق مفعم القلب ناحلِ
وجئت فجاجاً صاديات المناهل
ولمَّا انتهى في الرقة السير لاح ليمن اللّه نور ساطع غير مظلم
فقلت عسى حادي المطي يعينني
وفوق المطايا الوجدات يدينني
فسرتُ إلى الداعي الجليل فدلني
وعرفني كيف الطريق وأننيخبيرٌ به بل كنت غير متمّمِ
فلمَّا وصلنا من برياه نهتدي
وبالقول منه نستفيد ونقتدي
سمي رسول اللّه في الخلق أحمد
فكان كنجمٍ يستدل بمشهدبوجه كبدرٍ طالع بين أنجم
فقال إذا ما كنت بالقول تقتدي
ولي نحو مهدي البرية نهتدي
فسر ودع التعريس في كل مهتدِ
فجاوزت لمَّا أن تحقق مقصديخفاجية باتت بأكناف عكرم
ولمَّا تيمَّنا الفرات تحرجت
حثيثاً إلى أوطانها فتدرجت
نسيماً كنثر الدر فيه تأرجت
ولمَّا قطعنا جسر بالس عرَّجتصدور ركابي نحوها غير محجم
وسارت بنا سير الرياح وبادرت
وحوش الفلا في وجدها وتحافرت
وراحت كمذعور النعام تنافرت
وطلَّت بنا تطوي الفجاج وجاوزتبشط الفرا من كل خرم مصمَّم
فرحنا ولا ساقي المدام يعلنا
بكأس ولا أرض هناك تقلنا
ولا من دليل في الفلاة يدلنا
فبتنا بوادي المنحوان بليلنامن المزن طلٌّ في أواخر مرزم
وقلت لها يا عيس سيري وغادري
وساءلت من يقضي ويجبر خاطري
فلمَّا رأيت الوحش لاح لناظري
نزلت وقد وافى الكرى دير حافروسرنا وأرباب السرى غير نوَّم
تصيحُ إذا ورق الحمائم أنشدت
بجنح الدجى والنوح في الدوح قد هدت
وتذكر ولفاً في الورى أينما غدت
ولمَّا آتينا الشيح والليل قد بدتعساكره في كل أسود مقتم
يسير على أكوارها كل قسور
عنيد شديد البأس كالليث محدر
تراه شديد البأس شدة عنتر
يجوب الفلا ما بين أشعث أغبريحنُّ إلى الهادي وأجرد أدهم
وأنفسنا في ذروة العزِّ لم تهن
علينا ولا خلّ لصاحبه يخُن
نسير ولا يغتالنا الخوف والمحن
ولمَّا وصلنا ماء كاسر لم يكنلنا معدل عن روضها المتبسم
ولمَّا رأينا شدة السير والعنا
وكدنا بها أن لا نبيت من الضنى
وكدنا المطايا بالفلاة تلمنا
نزلنا بها ثم انثنينا بركبناإلى حلبٍ والليل ليس بمعتمِ
طلبنا من اللّه العلي بجودة
إلى رجل ما زال قصدي وعدتي
هو الراشد المهدي لكل هدية
ولمَّا تجسَّمنا قويق بعدوةِفزاد بنا شوق المحب المتيم
ولم يدر خلق قط ما كنه علتي
ولا خامر التمويه قلبي ومهجتي
وزاد غرامي واستطالت بغلتي
فأنت ولي اللّه يا ابن البتولةِفيا نفس بوحي بالحقيقة واكتمي
وقلت لها سيري بنا ليس تندمي
إلى أكرم المولى وإن تعلمي اقدمي
فسارت حثيثاً عقلها غير معدم
وبتنا بأكناف القناطر نحتميوكانت قريَّات بها القوم نوَّم
وباكرتها بالسير غير مماطلِ
ولا وانياً من شدة السير عاطل
إلى قاسمٍ ما بين حق وباطل
وجئنا إلى سرمين في غيث هاطلعلى كل سبط الراحتين غشمشم
وجئنا إلى الدار السعيدة وامَّحا
سقانا وعشَّانا المضيف واستحا
فقلت لها سيري مسيراً مُرنَّحا
وجزنا بهرماس المعرة وانتحابنا شجر الزيتون من كل جرثم
فسرنا ولم نوضح كوى السير خشيةً
حرام علينا النوم وقتاً ولمحةً
ظلام ولم نلق من الليل لمعةً
إلى أن وصلنا كفرسقَّا عشيةوقد حثَّ أرباب الثرى كل ملزم
فبتنا بها عند الرئيس فمدنا
بانعامه حتى الرحيل أعدنا
ولمَّا بدا الصبح المنوَّر شدنا
ولمَّا وصلنا أرض شيزر صدَّنامسيل من العاصي شديد التهجم
فلم ندرِ في ذاك المخاض ولوجه
ولا مستغيث للعبور وعوجه
وأرواحنا في عالم الكون
وصرنا بعون اللّه نقطع موجهكما فعلت في الترب كف المنجم
فرحت وقلبي للتذكر واعيا
إلى من دعا للحق يا خير داعيا
فلا أرتجي إلاَّه كوني صاحيا
وسرنا إلى مصياف سعياً وساعياإلى البيت قوم من قريشٍ وجرهم
فعاينتُ وجهاً باسماً غير معبس
كصبح تبدَّى تحت أذيال حندس
وأرض كساها اللّه أنوار مؤنس
وقد نشر الرحمان أطمار سندسعلى كل جرمٍ بالرياض معمَّم
فقلت لها ما زلت مذ كنت مسلما
أجوب على من يعرف الأرض والسما
فيهدي ويجلي ناظريَّ من العمى
إليك حططت الآن رحلي مسلَّماإليك وها أنت المحكَّم فاحكم
فلا ترني عن منهج الحق مائلا
ولا عن سواك الآن في الحق سائلا
ولا أرتجي من غير كفك نائلا
فإني رأيت الخلق قسمين قائلاعرفت بعقلي كالحديث المترجم
ولم أرَ شيئاً غير خلق وخالقِ
وما بين مسبوقٍ هناك وسابقِ
ومكتفياً بالعقل عند الحقائق
وآخر في قولٍ صحيحٍ وناطقعن اللّه بالعقل المرجح فافهم
يقولون إنَّ العقل يكفي بزعمهم
ولا يعلموا أنَّ العقول تعمهم
أتوك أناس خامر الشك وهمهم
فإن صححوا بالعقل أنت بزعمهممحق ومن ينكر إلى الحق يظلم
فجاءت بحمد اللّه قولة صادق
خبير بطرق الحق غير منافق
فإن يعقلوا فالحق دوماً لفائقِ
وإن كان مع عقلي مقالة حاذقنجوتُ ومن يعدل عن الحق يندم