لا طابَ وقتٌ إذا حوَّلْتُ ملتزمَي
ولا بقيتُ إذا عنكم أصونُ دمي
فإنَّني بكمُ من نشأتي ولكم
وَهبتُني، وإليكم تنتمي نعمي
فداكَ روحيَ لا تتركْ ضعيفَ قوًى
عن قمْعِ شَهوتهِ في بطنِ مُلتَقِم
قُواه مقبوضةٌ عن بَسْطِ مقصَدِه
ونفسُه حرَّةٌ مع رقَّة الكلِم
نادى ويصحبُه طيفُ الوجودِ فهل
من مُنقذٍ لأسيرٍ من بني سَلم؟
صريعُ شهوته مسجون غفلته
من ذا يُخلِّصُه من أدْهَم الدّهم
في أرض غزةَ مَرباه ومولدُه
في خانِيونسَ بين السعد والنِّعم
إلى الطريقةِ تاقَتْ نفسُه، وله
عشرٌ من السِّنِّ حتى صارَ ذا حُلُم
فجاء نائبُكم في غزةٍ، وله
خمسٌ وعشرٌ فهنّا نفسَه، ونُمي
وصار يُذكرُ في الأسواق وانتعشَتْ
منه المفاصل لا يُصغي لمن يَلُم
وكان واردُه طورًا يبشِّرُه
ويقتفيه مخيفٌ واضحٌ لِعَمي
حتى مصائبُ تدْسيسٍ له ظهرَتْ
ظهورَ نارِ القِرى ليلاً على علم
وأصل نكبتِه معْ سوءِ قَصْوته
عن أهلِه أن رأوه مثلَ شيخهم
وكان واردُنا فيه رقَى دَرَجًا
فخرَّ منْ فوقه، أو غابَ حين رُمِي
كتَمْتُه مدَّةً، والهجرُ بان به
وصار بين الورَى كالحادثِ العَمِم
إن جاء مستثقلٌ، أو فاءَ مبتذلٌ
حتى كأن الورى إن قال في صَمَم
وصرْتُ في دهشةٍ مما دهاهُ ولي
من التأدُّبِ ما أحمي به شِيَمي
فهذه آيةٌ من قد رآها نَجَا
وصان خاطره من سطوة الندم
وصرت أطلب مصرًا أبتغي حِكَمًا
لكي يكون بحبل الله معتصمي
عشرون معْ واحدٍ في مصرَ مُدَّتنا
وستةٌ قبلها أخطو خُطا النَّسَم
أسُرُّ عالِيَهم، أبرُّ سافلهم
لكي أكونَ على خُبْرٍ من الأمم
وهكذا كنت في مصرٍ أُحادثُهم
بالفضْل طَوْرًا، وطورًا من كلامِهِم
وإن تأسَّوْا بذكْرِ القومِ كنتُ لهم
كما أرادوا فشأوًا شأوَ قصدهم
صحبتُهم أرتوي من بحر أزهرهم
زلالَ صافي الهُدَى عن بحْرِ حَبْرِهِم
وفي مدينة ذاك القُطرِ مقتصرٌ
على محمَّدٍ المهديِّ ذي الحرم
أشاد بالعلم مجْدًا أسَّسَته له
أُصولُه، ورقَى علياء قصدهم
قُطْرٌ تظلِّله العليا، ويكنفُه
نِيلُ الرشادِ، وفضلٌ من عُلومِهِم
هذا وأيدي العِدا فيهم قد انبسَطَت
بسطوةٍ تَتلظَّى في قلوبهم
وخطوةٌ ثَبَتَتْ عند الأمير لهم
بين العُمومِ بِضربٍ من خُصومِهم
كأنهم أمَّلوه فوق ما مُنِحَتْ
أسلافُه الشُّمُّ من جدْوَى مليكهم
فباتَ خنّاسُهم في صدره، وله
من الدسائسِ حبلٌ غيرُ مُنصرم
وفوَّضَ الرأيَ منهم في رعيَّتِه
أمرًا ونهْيًا بتصويبٍ لِفِعلهم
وفي الخزينة قد صارَتْ رواتبُهم
فوق الذي لإِمام العُرْبِ، والعجم
فأصبح الناسُ من ذا الحالِ في حرجٍ
وطائرُ الغيظِ يشدو في صدورِهِم
وطارقُ النهْبِ في الأموال يطرقُهم
من الأمير على عُنْفٍ لِسَلْبهم
وكِلْمةُ الكفرِ تعلو بين أظهرِهم
تقودُ ساسَتَهم بالخُطْم واللُّجُم
فقام أحمدُ يحمي الدينَ مع نفرٍ
باعوا النفوسَ على أثمانِ ربِّهم