تخطَّ إلى المحتوى

في ليلة من ليالي الصيف ساجية

غير معروف

٢٨ بيت

المتفرقات

في ليلةٍ من ليالي الصيف ساجيةٍ

قمراءَ تهجس بالنّجوى حواشيها

يندى النسيمُ بها - وهنًا - فيثقلُها

ويُسفر البدرُ خلاّبًا فيُغويها

سريتُ - عبر حقول القمح - متّئدًا

أَسوفُ عِطرَ الفواغي من مَجانيها

فدبَّ بين كِياني شدو غانيةٍ

غِلالة الليل تبديها وتُخفيها

حوريّةٌ من بناتِ الريف نائحةٌ

بينَ الحقول كما ناحت سواقيها

توشّحت بغمام الفجر وانتفضَتْ

شوقًا إلى ذكرياتٍ لا تُسمِّيها

أصغَتْ إلى صوتها الآفاقُ ساهمةً

فأغرقتْ كلَّ شيء في معانيها

ترفُّ آهاتُها في كلّ ناحيةٍ

كأنّ رجعَ الصدى قلبٌ يواسيها

كأنَّما الكونُ نفسٌ وهْي خلجتُها

أو أيكةٌ في ربيع وهْيَ شاديها

هامت بروحيَ في أجواءِ عاطفةٍ

فنيّةٍ حلّقتْ بي في تَسَاميها

فكدتُ أشعرُ أنّي لم أعدْ بشرًا

وإنما أنا لحنٌ ذاب مِنْ فِيها

شكَتْ صروفَ الليالي في تحكُّمها

وعرَّضت بالمنايا في تجنِّيها

ونبّأتْ عن جراحٍ في حُشاشتها

عميقةِ الغور لم تظفرْ بآسيها

ورحلةٍ في بحارٍ لا شطوطَ لها

- بحثًا عن الصبر - خاضتها جواريها

وصوتُها الحالمُ السّكران مرتجفٌ

تهزُّ أنغامُه الدّنيا وما فيها

تموّجَتْ في السنا المخضلِّ نَبرتُه

تموّجَ الخمر في أقداح ساقِيها

تهوي السنابلُ صرعى تحت مِنجلِها

على نشيد المنايا مِنْ أغانِيها

قد كفَّنتها بأسجاعٍ مهلهلةٍ

تلوبُ والدمعُ في الأهداب يسقيها

يا لَلسنابل من نشوى بمصرعِها

وذلك «الأرغنُ» القدسيُّ يرثِيها

سألت عنها فقالوا تلك أرملةٌ

لم تَعْدُ عشرين حولاً من لياليها

تخطَّفَ الموت زوجيها وطفلتها

ومات - قبل صباها - كلُّ أهليها

حتى تحامى شباب الريف خِطبتَها

وقيل نحسٌ يُدانِي من يدانيها

عاشت وفي صدرها أشلاء مقبرةٍ

سوداء تنهشها منها أفاعيها

أجيرةٌ في حقول الناس ضائعةٌ

وصوتها وقواها ملْك شاريها

حياتها وحدةٌ خرساء مطْبِقةٌ

هوَتْ على غدها أنقاض ماضيها

تَجَاهَلَ الناس بلواها فما وجدت

كالفن شيئًا عن البلوى يسلّيها

تلوح مأساتها في كل جارحةٍ

منها ولكنها بالشدو تخفيها

تشدو وما هي إلا ظل أغنيةٍ

مخنوقةٍ لم تجد نايًا يغنِّيها