البدرُ هلّ فكبّر الأطيارُ
وتبسّمتْ بضيائه الأزهارُ
والوُرْقُ تسجع والخمائل غضّةٌ
والروضُ حلّ بساحه آذار
والكونُ بِشْرٌ والسرور مخيّمٌ
والأرض نشوى والظلام نهار
وملائكُ الرحمن في أفق السما
يتهلّلون وتضحك الأقمار
والشمس تسطع والنجوم زواهرٌ
والعرش بات تحفّه الأنوار
والريح تعبث بالورود نواعسًا
فيهبّ فوح أريجها المعطار
والدوحُ غنّى والغصون تمايلت
وعلى الأراك بلابلٌ وكَنَار
وتهلّلت دنيا الوجود بحسنهِ
فلحسنه قد صاغتِ الأقدار
وتنقّلَ الخبرُ العظيم بمكةٍ
وُلد البشيرُ بوجهه إسفار
يومٌ تبسَّم فيه ثغر محمدٍ
للكائنات فعمَّها استبشار
يومٌ تجلَّى في الأنام صباحه
ومساؤه فانجابتِ الأغيار
يومٌ عليه مهابةٌ وجلالةٌ
ومحاسنٌ يوحي بها التذكار
يومٌ كأن شموسه ونجومه
من نور «أحمدَ» في السماء تغار
يومٌ به كسرى تلفَّتَ ساهمًا
لما رأى إيوانه ينهار
وخَبَتْ جحيم الفرس في أغوارها
أمست ترابًا جمرُها وشرار
اختار ربي «أحمدًا» من عنصرٍ
عدنانُ أصل أصوله ونزار
ما مسّه دنسٌ يشين قَبيله
فأصوله وفروعه أطهار
في ذروة المجد الأثيل مكانُه
كالشّمس لا يرقى لها إعصار
سطع الجبين بهالةٍ من نوره
فعلى الجبين مهابةٌ ووقار
صاغ الإله «محمدًا» بيمينه
وبعينه فانبثّتِ الأسرار
فأتى كما صنع الإله مكمَّلاً
صافي الشمائل صفوهنّ نُضار
فالحِلْم طبعٌ والأمانة دَيدنٌ
والصدقُ قد شهدت به الكفّار
لا عيبَ أن فقَدَ النبيُّ وليَّهُ
كم من يتيمٍ في الورى يُختار
يُومَى إليه إذا ادلهمّ ظلامها
كالبدر في أفق السما ويُشَار
لما ترعرع واستوى في عوده
لزم التّقى فحنا عليه الغار
جاء الأمين يضمّه ويغطّه
ويقول إقرأْ والنبيُّ يحار
إقرأْ كتابك واهدينَّ به الورى
واصدعْ بقولك إنك المختار
أوحى إليه اللّه قرآنًا له
تعنو الجبال وتخشع الأحجار