مضى بعد أن غنى فأبكي واطربا
وعاش كما عاش العراق معذبا
مضى الشاعر الصداح يحمل حسرة
لو اخترقت قلب الدجى لتلهبا
مضى بلبل الوادي كسيرا جناحه
كأن لم يشنف مسمع النهر والربى
بكيت به حظ النبوغ بأمة
نوابغها تلقى الجحود مقطبا
أفي الحق أن يشقى العباقر بينهم
ويلقى طغام الناس أهلا ومرحبا
ومن عجب حتى الرصافة أنكرت
رصافيها المعروف فازدد تعجبا
طوى العمر في بؤس فما هان واشتكى
وهل يشتكي من صيغ من جوهر الإبا؟
فما أحرجت تلك النوازل صدره
فيا لك صدرا ما ابر وارحبا
سقام وآلام وفقر ومحنة
فله قلب هادئ ما تقلبا
اشد على الأيام من نكباتها
واعذب في الأذواق من نفحة الصبا
لئن فقدته الشاعرية بلبلا
فقد فقدته الأريحية كوكبا
لقد كان ملء الجيل شعرا وحكمة
إذا قال أصغى الجيل واهتز معجبا
وصاغ هموم البائسين فرائدا
من الشعر أجرى القلب فيها وذوبا
لقد كان خصم الظلم لم يخش بطشه
ولم يحن يوما راسه متهيبا
فيا شاعرا لو شاء عاش منعما
كما عاش في النعمى سواه مقربا
أضاعوك حيا بل أضاعوك ميتا
أكانوا إذن يبغون موتك ماربا؟
وانت الذي أنفقت عمرك ساخرا
بدنيا ترى فيها الأماني خلبا
وان حياة كالبغي خلائقا
لمهزلة لا تستحق التعتبا
لقد مجنت حتى كرهنا مجونها
وأمست حمى للماجنين وملعبا
بمجتمع تغشى الزخارف وجهه
فيوشك بالأصباغ أن يتحجبا
فكم ثعلب تلقاه في زي راهب
برغم المسوح السود مازال ثعلبا
سلام على شيخ القريض فقد قضى
ولم يقض يوما من أمانيه مطلبا
سيذكر هذا الجيل اصدق شاعر
شدا في ضفاف الرافدين فأغربا
وفي ذمة الحق المقدس شعره
فكم في سبيل الحق أرضى واغضبا
ثوى حيث يثوى صنوه في حياته
جميل وباتا في حمى الموت اقربا
جميل ومعروف رفيقا رسالة
أفاضا على الزوراء سحرا محببا
هزاران عن شطآن دجلة حلقا
ونجمان عن افق البيان تغيبا