طَابَتْ لَكِ الدُّنْيَا بِغَيْرِ وِصَالِنَا؟
فَآثَرْتِ هِجْرَانَاً عَلَى أَنْ تُوَافِيْنَا
وَأَغْرَاكِ نَفْثُ الْكِبْرِ بِالصَّبْرِ بَعْدَنَا
فَأُنْسِيْتِ صَوْنَ العَهْدِ أَوْ أَنْ تُوَفِّيْنَا
فَمَا ذَاكَ حُباً أَوْ نَصِيْفَ نَصِيْفِهِ
وَلَا ذَاْكَ عِشْقاً نَرْتَضِيْهِ لَنَا دِيْنَا
وَلَا ذَاكَ مِمَّا يُوْسِعُ الصَّدْرُ حَمْلُهُ
وَيَأْبَى أَبِىُّ النَّفْسِ هَضْمَاً وَلَوْ حِيْنَا
أَنَرْجُو سُكُونَ القَلْبِ وَالشَّكُ طَبْعُهُ
وَدَيْدَنُ هَذَا القَلْبِ يَأْبَى يُحَابِيْنَا؟
فَلَا يَرْتَوِي إِلَّا بِمَا كَانَ خَالِصَاً
وَيَحْسَبُ بَذْلَ النَّفْسِ لِلنَّفْسِ تَمْكِيْنَا
فَلِلَّهِ نَفْسٌ لَا تَمَلُّ نَسَأتُها
فَلَا تَرْعَوِيْ شَوْقَاً وَتَدْنُو فَتَمْضِيْنَا
تَحَرّقُ مِنْ خَوْفٍ وَأَنْتِ بِمَعْزِلٍ
فَشَتّانَ مَا أَكْنَنْتُ مِمّا تُكِنِّيْنَا
حَرِيٌ بِمَنْ يَهْوَى وَإِنْ غَصَّ قَلْبُهُ
سُرُورٌ فَلا نَشْقَى بِسُلطَانِهِ فِيْنَا
وُكُنَا تَعَاهَدْنَا عَلَى مَوْتِنَا مَعَاً
فَأَنَّى أَقَمْتِ العَهْدَ فِيْمَا تُوَارِيْنَا؟
وَأَنَّى وَقَدْ جَذَّ العِنَادُ مَوَاثِقَاً
غِلَاظَاً زَرَعْنَاهَا وُرُوْدَاً وَنِسْرِيْنَا؟
وَأَنَّى وَقَدْ حَقَّرْتِ مَا كَانَ خِلْسَةً
مِنَ الدَّهْرِ وَاسْتَنْكَرْتِ جَفْوَاً أَمَانِيْنَا
وَكَانَ قَضَاءُ الدَّهْرِ لُقْيَاكِ نِقْمَةً
فَلَمَّا رَأَى دَمْعِي قَضَى باِلضَّنَا لِيْنَا
فَمَا عُدْتُ أَدْرِيْ فِي لِقَاكِ أَلُومُهُ
وَقَدْ ضِقْتِ بِيْ ذَرْعَاً أَيَرْضَى تَقَاضِيْنَا؟
وَفِيْمَ التَّقَاضِي وَالقُلُوبُ قَسِيَّةٌ؟
وَمَنْ يَرْضَ إِنْصَافَاً يُشَمِّتْ أَعَادِيْنَا
هَبِي أَنْ وَقَفْنَاهَا يَكُونُ كَلَامُنَا
غَصَصْنَا بِكَأْسٍ طَالَمَا كَانَ يَسْقِيْنَا؟
تَمُرُّ بِيَ الذِّكْرَى كَمَا مَرَّ شَاخِصٌ
بِأَطْلَالِه مُسْتَعْبِرَاً إِذْ تَمُرِّينَا
تَلُوحُ لِعَيْنِيْ كُلَّمَا ذُقْتُ نَعْسَةً
تَقَرُّ بِهَا حِينَاً وَتَدْمَى بِهَا حِينَا
تَذَكَّرْتُ أَيَّامَاً حَثَثْنَا نَهَارَهَا
وَكُنَّا عَلَى جَمْرٍ وَلَا شَيْءَ يُقْصِيْنَا
سِوَى أَنَّنَا قُلْنَا مَقَالَةَ عَاشِقٍ
سَنَنْظُرُ إِنْ نَسْطَعْ نُؤَخِّرْ تَلَاقَيْنَا
فَلَمْ نَسْتَطِعْ إِلَّا بِلَهْفَةِ ظَامِئٍ
وِصَالاً وَمَا فِي اللَّيْلِ إِلَّا تَدَانِيْنَا
فَقُلتُ أَلَمْ يَأْنِ اللِّقَاءُ أَجَبْتِنِي
بَلَى آنَ وَالأَشْوَاقُ تُمْلِيْ فَتُصْغِيْنَا
وَكُنَّا نُقِيْمُ اللَّيْلَ شَوْقَاً وَحُرْقَةً
وَكُنَّا نَغُضُّ الطَّرْفَ صَمْتَاً فَيُشْقِيْنَا
تَذَكَّرْتُ أَيْمَانَاً وَسَبْعِيْنَ غَضْبَةً
فَتَهْوِيْ سِيَاطُ البَيْنِ حَرَّى فَتُدْمِيْنَا
فَنَنْأَى وَمَا تَنْأَى لِذَاكَ قُلُوبُنَا
وَنَهْجُرُ كُلَّ الهَجْرِ إِلَّا تَقَصِّيْنَا
نَكَادُ لِفَرْطِ السُّخْطِ نُنْكِرُ بَعْضَنَا
وَكَانَتْ لِفَرْطِ الوَجْدِ تَهْمِي مَآقِيْنَا
فَمَا إِنْ تَعَاتَبْنَا وَطَالَ عِتَابُنَا
صَفَوْنَا وَمَا نَشْتَاقُ إِلَّا تَصَافِيْنَا
فَعُدْنَا كَأَنَّا مَا دَهَتْنَا يَدُ النَّوَى
بَتَاتَا وَلَا الأَنْوَاءُ إِلَّا أَحَايِيْنَا
فَأَيَّانَ مِنَّا هَدْأةُ اللَّيْلِ إِذْ خَلَا
وَشَوْقٌ وَضِحْكَاتٌ وَنَجْوَى أَمَاسِيْنَا
طَوَاهَا وَمَا أدْرَاكِ مَاذَا بِطَيِّهَا
عِنَادٌ، فَأَمْسَتْ فِيْ يَبَابٍ أَمَانِيْنَا
وَأَمْسَى طَرِيْحَ الصَّدْرِ لَيْسَ بِلَائِمٍ
فُؤُادٌ سَأَلتُ اللهَ يُشْفَى فَآمِيْنَا
عَلَا الشَّيْبُ أَقْرَانِي وَكَلَّلَ مَفْرِقِيْ
وَمَازَالَ قَتْلُ النَّفْسِ بِالحُبِّ يُغْرِيْنَا
فَيَا نَفْسُ قَدْ وَلَّى الشَّبَابُ فَحَسْبُنَا
تَمَادٍ فَمَا أَجْدَى بِنَفْعٍ تَمَادِيْنَا
وَأَهْنَأُ مَا أَعْطَى الزَّمَانُ تَغَافُلٌ
وَأَنْغَصُ مَا يُعْطِيهِ قَلْبٌ يُمَارِيْنَا
فَيَا رَبِّ نِسْيَانَاً كَأَنْ لَمْ أُلَاقِهَا
وَيَا رَبُّ غُفْرَانَاً وَصَفْحَاً يُعَزّيْنَا