قد قال لي يوما أبي:
لو ذبت في معنى الحروف المبهمة
لغدوت يا ولدي شعاعا في الليالي المظلمة
خذ كل شيء..
.. ثم دع في كل شيء غيرّ شيء لا يهون
هل قد عرفت حدود ما في الجمجمة؟
النار تأكل بعضها
والماء نار مضرمة
دع كل شيء..
.. ثم كن في كل شيء غير شيء لا يكون
فالكون كون الغالبِ
ثم استراح أبي ومال
قد حان وقت المغرب
وعلى رؤى كل الحروف الواجمة
كانت مياه الغسل من عينيَّ..
.. صلينا العشاء
ورجعت وحدي
والخطى مقتولة فوق الدروب النائمة
تجتاحني
دع كل شيء ثم كن!!
دع.. ثم كن؟.!!
فصرخت في جوف الليالي المظلمة
ماذا اكون؟؟
فترقرقت عينا أبي
قالت بنظرتها: تكون
لو ذبت في معنى الحروف المبهمة
وأفقت والدنيا أمامي غائمة
والأرض يبلعها السكون
ماذا أكون؟؟
أحسست أني لم أنم.
من ألف عام..
.. والمنى قبس من النور استدارت حوله كف السأم
حتى تلاشت كالعدم
والجوف يمضغه الألم
فاهتاجت الأمعاء تصرخ ناقمة:
الحرف لا يغني البطون
كل الحروف تشابهت
وتداخلت أبعادها
ما عاد من معنى لمهملها هنا
بعد اغتراب المعجمة
ماذا يفيد الحرف لو صلبت أساليب التمني والرجا؟؟
فوق الطريق المرتجى
قد قالها يوما ومات
ظمآن يصرخ جوفه ما بين دجلة والفرات
يا قوم لا تتكلموا... إن الكلام محرم
ناموا ولا تستيقظوا... ما فاز إلا النُّوَّم
من شاء منكم أن يعيش العمر وهو مكرم
فليمس لا سمعٌ لديه، ولا عيونُ، ولا فمُ
...
من شعر الشاعر معروف الرصافي