تخيَّلّتُها زهراءَ ضاحكةَ الرُّبا
وقد مُلئتْ علمًا ونورًا وعسجدا
وأبصرتها سِلمًا يطوفُ فِجاجَها
فما خائفٌ ظلمًا، ولا باسطٌ يدا
وليس بها من سيِّدٍ أو مسوَّدٍ
سوى من تحلّى بالفضائل والندى
وليس بها جنسٌ كريمٌ، وآخرٌ
يعيش مدى ما عاش عبدًا مقيَّدا
وليس بها مَنْ جمَّعَ المال للخَنا
يجول به بين المقاصير مُفسدا
يصول على الفلاّح يأكلُ رزقَه
ويتركه مما جناه مُجرَّدا
ولا هي دنيا للكسالى وقد غَدَوا
يعيشون كَلاً فوق هامتِها سُدى
ولا هي دنيا للمَفاليكِ جهدُهم
وغايَتُهم أن يبتغوه تصيُّدا
ولا هي دنيا للمُدِلِّ بغيره
ينادي أنا من فاخَرَ الشمس مَحْتِدا
يريد ليُعطَى المالَ والخزَّ كاسبًا
وقد نام لا يبغي رَواحًا ولا اغتدَى
ولا هي دنيا كاتبٍ في صحيفةٍ
يحبِّرُ قولاً كلَّ يومٍ مردِّدا
مقالاً من اللفظ الرخيص كأنه
وقد قرَعَ الأسماع ترجيعةُ الصدى
ولا هي دنيا شاعرٍ بات ليلَه
يصوغ القوافي من هُراءٍ لينشدا
ولكنها دنيا من الجِدِّ لا ترى
بساحتِها إلا نضالاً مجدَّدا
فهذا له من مسْربِ الطير موردٌ
يُسابقُ وفْدَ الريح إن سار أو غدا
وهذا له من مسبحِ الحوت منفذٌ
يشقُّ عُبابَ الماء سهمًا مُسدَّدا
وذلك يطوي الأرضَ كالبرق مرسلاً
بسيارةٍ لم يخشَ عاديةَ الردى
وآخرُ ما بين الحديد كأنَّهُ
من الجنِّ عن حُكْمِ الحياةِ تمرَّدا
أولئك أقطابُ الحياةِ وخيرُها
وغيرُهُمُ لم يُدْعَ في الناس سيَّدا
وتلك هي الدنيا المرجّاةُ للورى
وإلا تكنْ هذا فلا خُلقتْ غدا