ما للكنانةِ يا للناسِ واجمةً
ما للنفوسِ عراها الهمُّ والكدرُ؟
ماذا جرى أمياهُ النيلِ غائضةٌ؟
أم زُلزلتْ أرضُها أم حلَّتِ النذُر؟
أم نِيلَ دستورُها أم رِيع آمنُها
أم دُكّ أهرامُها ما ذلك الخبر؟
لو كان من ذلكم شيءٌ ألمَّ بها
لكان للنفسِ عنه الآن مصطبر
لكنْ دهاها من الأهوال فاجعةٌ
منها جوانحُها بالحزن تستعر
إذْ مات فيها أمينُ الشّعب رافعُها
فكان من خَطْبِه الأكبادُ تنفطر
بينا نفكِّر في حفْلاتِ تهنئةٍ
بنعمة البرء يحلو عندها السَّمر
إذا بنا وبريدُ النعيِ صارخةٌ
وعند صفو الليالي يحدثُ الكدر
قد غالب الداءَ أحيانًا وآونةً
كانت عليه جيوشُ الداء تنتصر
لمّا تصرَّم هذا العمرُ في شرفٍ
وأعجزَ الطبَّ ما وفّى به القدر
خارت قواه وخانته عزيمتُهُ
أضحى صريعًا عليه الدَّمعُ ينهمر
يا لهفَ مصر على الحامي لحوزَتِها
بخالص النُّصحِ لا أجرٌ ولا وطر
قد كان يدفعُ عنها كلَّ عاديةٍ
بقوَّةِ الحقِّ لا يأسٌ ولا ضجر
قد كان مرشدَها في كلِّ غامضةٍ
وفي الظلام لهَدْيٍ يُرتجى القمر
وا حسرتاه على شهمٍ لهُ هممٌ
لم تثنِ عزمتَه الآلامُ والخطر
وا حسرتاه لدينٍ غاب ناصرُه
سلاحه العقلُ والآياتُ والسور
ما كفَّ يومًا عن الآراء يبحثُها
ولا مدى الليل أضناه به السَّهر
حتى أعاد إلى النواب مجلسَهم
من بعد تعطيله إذ حلُّه زوَر
ناداهمُ أيُّها النوّاب إن لكم
حقّاً صريحًا به الدستور مستطر
إن حلّ ثالثُ سبتٍ من نوفمْبرَ لا
تُدعَوْن فيه إلى النادي لتأتمروا
فسارعوا يا حماةَ العدل واجتمعوا
بقوَّةِ الحقِّ لا تثنيكم النذر
فأدهشَ القومَ أنَّ النصَّ متّضحٌ
وأنهم غفلوا عنه وما ادّكروا
وفاتهم أنّ للإخلاص منزلةً
من الهداية قد نارت بها الفكر
فأجمعوا أمرَهم حقّاً وقد وفدوا
«للكنتننتالِ» لا خوفٌ ولا خور
وقرّروا ما رأَوْا من أن مجلِسهم
بقوَّة الحقِّ والقانون معتبر
وألّفوا مكتبًا فيه الرئيسُ غدا
سعدٌ وأعضاؤه أنصاره الغرر
وأقسموا بينهم أَيْمانَهُم علنًا
ألاّ يفرّقهم خُلْفٌ ولا ضجر
لكنّهم لم يوالوا الاجتماعَ كما
كان الفقيدُ يناديهم وينتظر
فإنّهم سئموا والشكُّ غيَّرهم
وحلّ عزمَهُمُ التأويلُ والنظر
ما زال «زيَوَرُ» بالآمال يخدعهم
وزخرفُ القول منه الفكرُ ينبهر
حتى بدَتْ فكرةٌ مال الشّيوخُ لها
وقد رأَوْا أن يبتَّ الرأي مؤتمر
في تاسع العشْرِ من فبراير اجتمعوا
وقرّروا عكس ما كانوا قدِ اعتبروا
فصار يُمطرهم من بحرهِ حججًا
لم يَرْضَها مَن غدا في أذنه وَقَر
يقول يا قومُ قد قرَّرتمُ علنًا
بأنَّ مجلسكم إلغاؤه أشر
فكيف ترضَون أمرًا فيه نسبتكم
إلى التنافض يا ذا القوم فاعتبروا
فلم يجدْ منهم الآذانَ صاغيةً
وقد مضى الظرف إن الصمت مغتفر
فآثر الشهمُ أن تُطْوى صحيفتُه
عن أن يُسطّر ما لا يرتضي النظر
وعاش حرّاً شريفًا لا يدنِّسه
حبٌّ لجاهٍ ولا الأموال تُدَّخر
ولا الوظيفةُ يرضاها ولا نشبٌ
بل كلُّ غايتِهِ للحق ينتصر
وقد أصرَّ على رأيٍ لهُ حججٌ
ولم يبالِ إذا ما خالف الكُثُر
إن الصواب لَبرهانٌ يؤيده
وغيرُ ذا خطأٌ حتى ولو كَثُروا
لما تمكّن في عزٍّ وفي شَرَفٍ
من نشْرها ظهرت كالبدر تنتظر
فاستقبلَتْها قلوبُ الناس خاشعةً
لحقِّها ورعاها السمعُ والبصر
هذي صحيفتُه في طيِّها حججٌ
أبحاثه دررٌ ما مثلُها درر
ما زال يسكب فيها ذوبَ مهجته
ولا تثبِّطه الأمراضُ تستعر
إن قال ناصحه رفقًا بصحتكم
أجاب في حبِّ مصرٍ يُقبَل الضرر
يا حاميَ الدين من قومٍ عداوتهم
يخفونها كرمادٍ تحته الشرر
نمْ هانئًا في جنان الخلد إنّ لكم
من الجزاء نعيمًا ليس ينحصر