دهتك اللّيالي بالذي تتخوّفُ
فمصرُك قاعٌ في المممالك صَفصَفُ
مضى واحدُ الشّرق الذي كان يُرتجى
لنشر علومٍ من مجانيه تُقطف
ولم يكُ إن عُدَّ الرجال بواحدٍ
ولكنْ بآلافٍ ومَنْ عَدَّ منصف
فديتك هل فيمن تقادمَ عهدهم
إمامٌ بهاتيك الفضائل يُوصف
وقد كان ذاك العصرُ عصرَ حضارةٍ
لأبناءِ هذا الشرقِ فيه التصرُّف
فكيف وقد كدنا نموت جَهالةً
وبتنا بأغلال التقاليد نرسُف
فضاعت أمانينا وقلَّ رجاؤُنا
وليس لنا إلا الأسى والتأسّف
ولمّا رأينا منه عزمًا وهمّةً
ونفسًا على أسنى المقاصدِ تُشرف
تبعنا هداهُ واقتفينا طريقه
لنيل المعالي وهو بالطُّرْقِ أعرَف
فأسّسَ للإسلام جمعيّةً بها
يُعَزّ ذليلٌ في البلاد ويَشرُف
وأصلحَ حال الأزهريّين بعدما
تصدّى له في ذلك المتعسِّف
وأعرضَ عن قول السّفيه تكرّمًا
فعاد إلى أعتابه يتزلَّف
وردَّ «هنوتو» حين شطَّ به الهوى
وصال بسيف الحق والسّيفُ مرهَف
فكان لدين اللهِ أعظمَ آيةٍ
بها طرفُ أعداء الهداية يُطرَف
وفسّر آياتِ الكتاب على هدًى
فتفسيرُه بين التفاسيرِ مصحف
وكم بِدَعٍ في الناس أبطلَ حكمَها
وكان سيولاً للشريعةِ تجرف
وكم من ضلالاتٍ سَعَى فأزالها
ليَظهَرَ للإسلام نورٌ وزُخرف
وما كان جود الشيخ قَطُّ بعلمه
ولكنّه قد كاد بالمال يُسرِف
فقل لأناس حاولوا الجريَ خلفه
رويدَكمُ ما في السجايا تَكلُّف
فإن الذي كنْتم سعيتم لكيده
أبرُّ بدين الله منكم وأَرْأَف
ولو شاء ربُّ العرش للقطر رفعةً
لما مات حتى يبصرَ الحقَّ مُرجِف
ولكنْ شقاءٌ من قديمٍ مسطَّرٌ
وليس لنا عمّا قضى الله مَصرف
فليس الذي قد مات بالأمسِ مثلكم
ولكنه موسى وعيسى ويوسف
وليس الذي شيَّعتموه إمامنا
ولكنه لقمانُ، داودُ، آصف
وليس الذي فوق السرير محمدًا
ولكنه المجدُ الأثيلُ يرفرف
وليس فتيق المسكِ ريح حنوطه
ولكنّه ذاك الثّناء المخلّف
وليس صرير النّعش ما تسمعونه
ولكنّه أصلابُ قومٍ تَقَصَّف