أرى الربيعَ كأنّهُ ملكٌ تجلّى
فاستيقظتْ في المدى الدنيا وتألّقُ
إذا ما أتى للكونِ ألقى سحرَهُ
فصارَ الترابُ من النورِ يُغلِقُ
تفتّحَ الزهرُ في كفِّ الصباحِ بهاءً
كأنَّهُ من ضياءِ الفجرِ يُخلَقُ
وتخضرُّ الأرضُ حتى تظنُّ بها
قلبًا كبيرًا بالجمالِ يُصدّقُ
وأسمعُ الريحَ في الأشجارِ لاهيةً
كأنّها في خيوطِ العطرِ تُنسِقُ
وتجري الجداولُ البيضُ في مرحٍ
كأنَّها في سرورِ الماءِ تُصفّقُ
إذا ما النسيمُ مرَّ في خدِّ وردةٍ
أضاءَ فيها شعورٌ لا يُفرَّقُ
وتنحني الغصنُ في رقصٍ لهيبتهِ
كأنَّهُ عاشقٌ في الحسنِ يُرهَقُ
وأبصرُ الضوءَ في الأوراقِ مرتفعًا
كأنَّهُ في ثيابِ النورِ يُطلقُ
فيا ربيعُ أنتَ الشعرُ إن نُسجتْ
بهِ الطبيعةُ حتى الكونُ ينطقُ
جعلتَ من الصمتِ لونًا في مفاتنِه
حتى غدا الصمتُ في الحسنِ يبرقُ
وتضحكُ الروضُ في أبهى تنعّمِها
كأنَّها في يدِ الأيامِ تُعتقُ
وأنتَ سرُّ جمالٍ لا انتهاءَ لهُ
كأنَّ فيك من المعنى ما يُطلقُ
أراكَ تمشي على الدنيا فتُزهِرُها
كأنَّ خطوَك في الأشياءِ يُنسقُ
فكلُّ شيءٍ إذا ما جئتَ يُدركُهُ
نورٌ يفيضُ على الأكوانِ يُغدقُ
وتنحني لكَ أشجارُ المدى طربًا
كأنَّها في يدِ الإحساسِ تُشفقُ
وأسمعُ الطيرَ في الأفقِ منشدةً
كأنَّها في غناءِ العطرِ تُشرقُ
وتخضرُّ الرؤى في العينِ ساجيةً
كأنَّها من نعيمِ الحسنِ تُخلقُ
فما الطبيعةُ إلا وجهُ بهجتِهِ
إذا تجلّى على الأيامِ يُوثقُ
فإن نظرتَ إلى الزهرِ رأيتَ بهِ
حكمةً تقولُ: إن الحسنَ يُعتقُ
وأنَّ كلَّ جمالٍ في تقلبِهِ
ظلٌّ يمرُّ على الأيامِ يُمحَقُ
لكنَّهُ رغم فنائهِ يظلُّ لنا
درسًا بأنَّ البهاءَ اليومَ يُشرقُ
فيا ربيعُ إذا ما غبتَ عن نظرٍ
صارَ المدى في عيونِ القلبِ يُغلقُ
كأنَّ الكونَ دونَك صارَ صمتًا
كأنَّ فيهِ ضياءً لا يُحقّقُ
أحبُّ فيك ازدهارَ الأرضِ مكتملًا
حتى كأنَّ الوجودَ اليومَ يصدّقُ
وتأخذُ الروحُ من ألوانِكِ أملًا
كأنَّها في ربيعِ الحسنِ تُعتقُ
فإنك الشعرُ إن قالتْهُ أزهارُنا
وأنتَ في نبضِ كلِّ الأرضِ تُطلقُ
تقيمُ في الكونِ عرسًا لا انتهاءَ لهُ
حتى النجومُ على ألحانِهِ ترقصُ
فيا ربيعُ سلامًا ما بقي زمنٌ
أنتَ الجمالُ إذا ما الحسنُ يُطلقُ