كَفاني طُموحاً جامِحاً وصَهيلا
فكمْ أُمْنِياتٍ لي ركِبْنَ خُيولا!
قطَعْتُ دروباً يزْدَحِمْنَ وُعورةً
ووَعْثاءَ تغْتالُ الخُطى ووُحولا!
فما مضَّني درْبٌ يَتوهُ بهِ الفَتى
ولا مقْصِدٌ أرْمي إليْهِ سَبيلا!
فكمْ مهْمَهٍ جابتْ مَداها مطيَّتي
وسارَتْ بِها دونَ الوُقوفِ ذَميلا!
تَقَفّى مسارَ الشَّمْسِ في ضحَواتِها
وتَهْدى دُجىً بالفَرقَديْنِ دَليلا!
تَسيرُ على الرَّمْضاءِ رفْلاً كأنَّها
جَنادِلُ ياقوتٍ نُضِدْنَ شُكولا!
تُسابِقُ أسْرابَ القَطا فكَأنْ لها
جَناحا قَطاةٍ يُزْجِيانِ رَعيلا!
وتَعْبُرُ آفاقَ القِفارِ كأنَّها
سحابَةُ صيْفٍ لا تُغيثُ مُحولا!
ولكنَّها بالصَبْرِ تُبْصِرُ شيحَها
وصَبّارَها طلْحاً دَنا ونَخيلا!
ترَقْرَقَ فيها الآلُ تحْسَبُ أنَّهُ
جَداوِلُ ماءٍ يجْتَمِعْنَ مَسيلا!
تَجولُ بِها الذُّؤْبانُ في غَسَقِ الدُّجى
مُمَزِّقَةً نجْوى سَجاهُ عَويلا!
أعَدتُّ حُسامي الهُنْدُوانيَّ وادِعاً
إلى غِمْدِهِ بعْدَ القِتالِ طَويلا!
فكمْ صوْلَةٍ فيها الرِّماحُ تكسَّرَتْ
وكانَ حِوارُ القاطِعاتِ صَليلا!
ذكرْتُ لهُ الماضي ففاضَتْ دُموعُهُ
بَكِيّاً مَعي فوْقَ الكُمَيْتِ طُلولا!
أُجيبُ صَداها كلَّما تَمَّ بدْرُها
وأهْفو إليْها بُكْرَةً وأصيلا!
لقدْ آنَ لي اليوْمَ التَّرَجُّلُ راحَةً
وآنَ لرَحْلي أنْ يكُفَّ رَحيلا!
فلا بُدَّ للطَّيْرِ الرَّواحُ لعُشِّهِ
إذا أخْفَقَ الصَّيّادُ منْهُ مَنيلا!
ولا بُدَّ منْ عوْدِ الخَريفِ تَداوُلاً
فتَسّاقَطُ الأوْراقُ فيهِ ذُبولا!
كَذا الدَّهْرُ يجْري، ليْسَ ينْظُرُ خلْفَهُ
وأبْناؤُهُ جيلٌ يُسَلِّمُ جيلا!