دَعْني أُجدِّدُ للأجيالِ ذِكْراهُ
فالمجدُ يُطربُ زَهوًا إن ذَكَرْناهُ
نورٌ من الحق عَمَّ الكونَ فانْقشعَتْ
غياهبٌ أظلمتْ منها زواياه
سيلٌ من الخير فياضٌ عليه نما
من نَبتِ غرسِ الهدى والعِلْمِ أذكاه
بحرٌ من الجودِ لم تنضبْ جوانبه
من طاف ساحلَه بالدُّرِّ أغناه
عِطرٌ به زهَتِ الأرواحُ وانْتعشَتْ
وضمَّختْ جنباتِ الكونِ أشْذاه
ميزانُ قسطٍ تُحِقُّ الحقّ شَوكتُه
العدلُ يألَفُه والجَورُ يأباه
أتى فَصفَّقَتِ الدنيا لمقْدمِه
وعمَّها نورُ يُمْنٍ من مُحيّاه
أتى فخَرَّتْ صروحُ الظلمِ خاويةً
إذ راعها من سلاح العدلِ أمضاه
عزَّ الهدى، والضَّلالُ الذُّلُّ لازَمَه
والشَّرُّ هانَ، وطابَ الخيرُ مثواه
جاءتْ مواهبُه العظمى مُناسبةً
لما أرادَ به الرحمنُ مولاه
إصْرارُ نُوحٍ وهودٍ والكليمِ إلى
حلمِ الخليلِ، إلى عيسى وتقواه
وفي الإنابةِ داودٌ ويوسفُ مَعْ
أيوبَ في الصبرِ والتَّسْليم صِنْواه
في شخصه الفَذِّ أوصافُ الهدى جُمعَتْ
أنّى لمثليَ أن يُحصي مَزاياه
لئنْ وصفناه في عالي شَمائِلِه
فإننا عن يَقينٍ ما عَرفناه
وإن سما فوقَ قدرِ الخَلْق مَنزلةً
كان التَّواضُعُ في الأفعالِ سِيماه
ما زعْزَعَتْ فِتنةُ الدنيا عَزيمَتَه
ولا بَريقُ نَفيس المالِ أغْراه
من صُنْعِهِ هزَّتِ الدنيا بواسلُ ما
كانتْ تخوضُ عظيمَ الهولِ لولاه
لما اسْتطالتْ جيوشُ البغي عاتيَةً
على هَزيمَتها ما كان أقْواه
به تَلاشى ظلامُ الشَّكِ حين بدا
نورُ الحقيقةِ تَغشى الكونَ أَضْواه
به وَعَيْنا الهدى حقّاً وبان لنا
سُخفُ الضلالِ الذي فيه الورى تاهوا
به تبخَّر ما كانت تروّجه
دعوى فلاسفةٍ في الغيِّ أشباه
لا غروَ إن ملكتْ منَّا محبّتُهُ
قلوبَنَا، أو طرِبْنَا عند ذكراه
أيا بنَ عبد منافٍ قد كشَفْتَ لنا
نورًا مبينًا به قد خصَّكَ الله
سِرْنَا به في الورى نجلي حقيقتَهُ
في كوكبِ الأرضِ أدناه وأقصاه