كيف يُجدي الدمع أو يُغني الحنينْ
هل يردّ الدمع عهد الظاعنينْ؟
قد تولوا بغتةً فالقلبُ مذ
أزمعوا الترحال خفّاقٌ حزين
ثكلت نجدٌ فتى بيدائها
وبكى نعمانُ وضّاحَ الجبين
وتمشّى في تميمٍ نعيه
كتمشّي الداءِ في جوف الوتين
أدلجَ الناعي فأذكى بالنَّقا
حُرقاتٍ دونها نارُ الأتون
أيها الراحلُ والدنيا لها
غِيَرٌ تستنزف الدمعَ السخين
إنكم مذ غبتمُ ضلَّ النهى
هل تردّون له ضوءَ اليقين
ما له إذ أبصرَ الشعب خلا
من حميّا الأدب العالي الرصين
وبكى الشعرُ وقد أرّقه
فقدُه ذلكمُ الصوت الرنين
وبكى المغنى ضراغمةَ الشَّرى
قد خلا الغابُ فمن يحمي العرين
لا تلمني هدَّ ركني فقدُهم
فالليالي قد غدت مثل السنين
زفرةٌ تملأ قلبي حسرةً
فاعذروني كيف هذا وأبين
أيُّ رُزءٍ حَلَّ مغنى هاشمٍ
أي رزءٍ حلَّ في الوادي الأمين
خدَّد الدمع خدودًا لم تكن
تعرف الدمعَ ولا هول الأنين
في حمى الله بُنيّاتٌ لكم
قد فقدنَ العون في صعب السنين
والهاتٌ مُخفياتٌ في الحشا
نارَ حزنٍ شبَّها ريبُ المنون
قد ملأنَ الدار إعوالاً وهل
ينفعُ الإعوال إن بان القطين
إن في القلب لظًى قد سُعّرتْ
رغم ما يبدو من الحلم الرزين
لا تغرَّنْك ثغورٌ ضحكت
اسألِ القلبَ عن الحزن الدفين
أيها النائي وفي القلب ثوى
وضميرُ الخَلْق مأوى الصالحين
لست أنسى موقفًا ضاحي السنا
كان منكم للغواة الملحدين
نَمْ هنيئًا بين روضٍ وجنًى
بين خِلانٍ ووِلدان وعِين
هذه الدنيا وما فيها وما
تحتويه الأرض من غالٍ ثمين
ليس بالشيء الذي من أجله
يُستساغ العيش في دار الفنون
هذه الدار التي كنتَ بها
بلبلاً يصدح فيّاضَ المعين
قد بكتك اليومَ إذ فارقتها
وهي إن تبكِكَ تبكِ المخلصين
أيها القبرُ الذي ضمّ العلا
وجمعتَ الخُلُقَ العالي المتين
وفجعت الناس في خير فتىً
كان كهفَ الدين إن عزّ المعين
أيُّ سلوى للعفاة البائسينْ
أترى ترقا دموعُ الثاكلين
كان منهاجك أرقى منهجٍ
سوف نُلقيه دروسًا للبنين
فليكنْ ذلك سلوى كلّ من
يحتذي في السير نهج المتقين