ذَكَّرْتُ قَلْبِي؛ فَقَالَ: أَوَّاهُ
وظَلَّ يَبْكي لِذِكْرِ مَوْلَاهُ
أَنَا، وَقَلْبي بِبُؤْسِ لَيْلَتِنَا
نَهِيمُ عِشْقًا بِمَنْ عَشِقْناهُ
أَقُولُ: آهٍ، يَقُولُ: (أَوْهِ لَهُ)
أَقُولُ: واهًا!، يَقُولُ: (رَبَّاهُ!)
أَقُولُ: (مَا الْحَلُّ هَلْ نُصَارِحُهُ؟)
يَقُولُ: (أَيَّانَنَا، وَإيَّاهُ؟!)(١)
فَقُلتُ: (رِفْقًا)؛ فَقَالَ: (أَعْشَقُهُ)
قُلْتُ: (حَنانَيْكَ)، قَالَ: (أَشْهَاهُ)
فَقُلْتُ لَمَّا رَأَيْتُ لَوْعَتَهُ
وبَعْدَما، مَنْ أَحَبَّ أَبْكَاهُ
: (اشْهَ تَشَهِّ اشْتَهِ اشْهُ مِنْكَ لَهُ
شَهِّ بِهِ، أَشْهِهِ مُشهَّاهُ)(٢)
فَقَالَ: (مَا أَطْيَبَ الْغَرَامَ، وَمَا
أَلَذَّ هَذَا الْهَوَى، وَأَحْلَاهُ)
يَشْتَاقُ قَلْبي لِحِضْنِ سَيِّدِهِ
يَتُوقُ مِثْلِي لِفَوْحِ ريَّاهُ
هَيْهَاتَ يَلْقَاكَ في غَرامِكَ ذَا
حِضْنٌ، وَإِنْ أَقْبَلَتْ ذِرَاعَاهُ
قَدْ مَاتَ قَلْبي لِأَجلِ رُؤْيَتِهِ
عَادَى قُلُوبًا لِأَجْلِ لُقْيَاهُ
هُوَ الْحَبيبُ الذي رَضِيتُ بِهِ
وغَيْرُهُ في الْوُجُودِ أَشْبَاهُ
هُوَ النَّعِيمُ الذي أُسَاقُ لَهُ
ومَا عَرَفْتُ الْهَنَاءَ لَوْلَاهُ
يَسْكُنُ في الْقَلْبِ لَا يُفَارِقُنَا
أَدَامَ رَبِّي عَلَيْهِ سُكْنَاهُ
نَسْتَحْضِرُ الوَهْمَ في تَخَيُّلِنَا
وتُبْصِرُ الْعَيْنُ سِحْرَ مَرْآهُ
نَتُوهُ عَطْشَى، لَهَا الضَّلَالُ بِنَا
تُجِيرُنَا بِالسَّرَابِ أَمْوَاهُ(٣)
ونَنْتَشِي في جَمَالِ حَضْرَتِهِ
سُبْحَانَ مَنْ بِالْجَمَالِ سَوَّاهُ
إِذَا تَجَلَّى تَطِيبُ جَلسَتُنَا
إِذَا فَقَدْنَاهُ تَكْبُرُ الْآهُ
قَلْبِي إِذَا مَا رَآهُ يَهْجُرُني
جَرَّاءَ سِحْرٍ، سَبَتْهُ عَيْنَاهُ
أَقَرَّ فَرْضَ الْوَلَاءِ، ذَلَّ لَهُ
بِالْقَهْرِ قَدْ بَاتَ مِنْ رَعَايَاهُ(٤)
فَاضَ اتِّضَاعًا أَرَى اسْتِكَانَتَهُ
عَارًا لَنَا في الْغَرَامِ أَنْمَاهُ(٥)
سُلُوكُ ضَعْفِي لَهُ يُعَظِّمُهُ
رَبَّى انْقِيَادِي لَهُ، وَأَزْكَاهُ
يَحْكِي، وَيَبْكِي لَهُ مَوَاجِعَنَا
ورَغْمَ مَا يَشْتَكِي تَرَجَّاهُ
في الْحُبِّ قَدْ صَارَ مِثْلَ لُعْبَتِهِ
بَلْ صَارَ في الْعِشْقِ مِلْكَ يُمْنَاهُ
كَخَاتَمٍ لُفَّ في أَصَابِعِهِ
عُذْرًا إِذَا قُلْتُ مِنْ مَطَايَاهُ
ومَنْ بِعُمْقِ الْغَرَامِ أَوْقَعَهُ
مَنْ مِنْ شُغورِ الْقُلوبِ نَجَّاهُ؟
مَنْ طَرَحَ الْعَنْدَ في الْفُؤَادِ، وَمَنْ
بِقَتْلِنَا حَثَّهُ، وَأَوْصَاهُ؟
شَفَاهُ رَبُّ الْعِبَادِ مِنْ وَلَهٍ
شَفَى سَقِيمَ الْغَرَامِ عَافَاهُ
قَلْبِي عَلَى وَضْعِهِ يُحَيِّرُني
قَلْبٌ غَرِيبٌ أَضَاعَ دُنْيَاهُ
يَصُبُّ بَحْرًا مِنَ الْبُكَاءِ؛ فَهَلْ
هَوَّنَ مِنْ جَمْرِهِ، وَأَخْبَاهُ؟(٦)
يَجْرِي إِلَى الْمُستَحِيلِ أَنْهَكَنَا
أَوْهَنَنَا، وَالْجَحِيمُ عُقْبَاهُ
إِذَا مَحَوْتُ الْهُيَامَ أَوْجَدَهُ
إِذَا قَتَلْتُ الْغَرامَ أَحْيَاهُ
وكُلُّ شَيءٍ بِهِ يُذَكِّرُنَا
إِذَا تَخَلَّصْتُ مِنْهُ أَبْقَاهُ
إِذَا تَبَرَّأْتُ مِنْهُ قَبَّلَهُ
ومَسَّحَ الرَّأْسَ قَدْ تَبَنَّاهُ
تَوَّجَهُ مُلْكَنَا، وَمَلَّكَهُ
سَلَّمَهُ سُلْطَتي، وَأَعْطَاهُ
قَدْ هَامَ، لَمَّا أَتَى تَنَكَّرَ لِي
لِأَيِّ حَدٍّ تُرَاهُ أَغْرَاهُ
رَجَوْتُهُ الْبُعْدَ عَنْهُ قَالَ: (عَلَى
جُثَّتِنَا، بَعْدَ كَشْفِ رُؤْيَاهُ؟)
أَقُولُ: (دَمْعُ الْخُدُودِ أَغْرَقَنا)
يَقُولُ: (خَدٌّ بُكاكَ أَنْدَاهُ
عَالِي الْمَقَامَاتِ قَلْبُ سَيِّدِنَا
خُفُوقُ نَبْضِي؛ فَكَيْفَ أَسْلَاهُ؟
مُبَلْسَمُ الْحِسِّ مِنْ رَهَافَتِهِ
إِذَا فَشَا بِالسَّقِيمِ دَاوَاهُ(٧)
مَا كُنْتُ ذَا جَفْوَةٍ لأَزْهَدَهُ
مَا كُنْتُ ذَا غِلْظَةٍ لِأَنْسَاهُ)
عَنَّفْتُهُ، احْتَجَّ، قَالَ: (ذَاكَ أَنَا
أُقِيمُ عِنْدَ الْحَبِيبِ أَرْعَاهُ
أَرْعَى اشْتِيَاقِي لَهُ، ويَمْلِكُني
قَلْبُ حَبِيبِي يَدُومُ مَرْعَاهُ
بِالْشِّعْرِ أَحْكِي لَهُ تَوَلُّهَنَا
أُفَرِّجُ الْهَمَّ في شَكَايَاهُ)
نَهيْتُهُ عَنْ ضَلَالِ فِتْنَتِهِ
مَنَعْتُهُ، قَالَ: (وَاحَبِيبَاهُ)
أَيُّ قَرَارٍ تَخِذْتُهُ سَلَفًا
أَبَى عَلَى الفَوْرِ قَدْ تَحَدَّاهُ
مَن يَا تُرَى بِالرَّحِيلِ يُقْنِعُهُ
مَنْ يَا تُرَى في الْعِنَادِ يَنْهَاهُ؟
ومِنْ رِهَانِ الْغَرَامِ يَمْنَعُهُ
مَنْ يَحْرِمُ الْقَلْبَ مِنْ شَهَاوَاهُ؟
أَمَامَ أَشْهَادِهِ رَسَمْتُ لَهُ
خَطًّا إذا خالَهُ تَخَطَّاهُ
في الْعِشْقِ حَجَّمْتُهُ، وَضَعْتُ لَهُ
حَدًّا، وَفي لَحْظَةٍ تَعَدَّاهُ
قَلْبي عَصَى، عَقَّني، وَعَانَدَنِي
وكُلُّ أَمْرٍ نَوَاهُ أَمْضَاهُ
حَرْبٌ جُبَارٌ عَلَيَّ أَطْلَقَهَا
دَافَعَ عَنْ عِشْقِهِ، وَزَكَّاهُ(٨)
أَلْهَاهُ سَاهٍ إِذَا أُعَاتِبُهُ
أَخْفَى شُعُورَ الْحَنِينِ دَارَاهُ
إِذَا اتَّفَقْنَا عَلَى مُوَاثَقَةٍ
أَرْفَدَني شَرْطَهُ، وَأَمْلَاهُ
إِذَا خَلَصْنَا إِلَى مُعاهَدةٍ
بَنْدُ اجْتِنَابِ الْهَوَى تَنَاسَاهُ
أَوْصَى أَمَامَ الْمَلَا بِتَوْبَتِنَا
وارْتَدَّ كَالْبَرْقِ عَنْ وَصَايَاهُ
لَا نَعْرِفُ الْقَلْبَ إذْ يُحَدِّثُنَا
عَنْ حَذَرٍ قَلَّمَا تَوَخَّاهُ
شُعُورُ بُؤْسِي إِذَا شَكَوْتُ لَهُ
ضَاعَفَ إِحْسَاسَهُ، وَقَوَّاهُ
وفي حُرُوبِ الْهَوَى أُنَاوِلُهُ
سَهْمًا إِذَا مَا رَمَاهُ أَشْوَاهُ(٩)
فَضُمَّ يَا خَائِبَ الرَّجاءِ عَلَى
مَتْعُوسِ عِشْقٍ صَرِيعِ ذِكْرَاهُ
يَفِرُّ قَلْبي، وَرَاغَ مُرْتَحِلًا
إِذَا تَبَدَّى لَنَا مُحَيَّاهُ
فَيَا هَوَىً أَيْنَ أَلْتَقِيهِ، وَيَا
مُثَبِّتَ الْعَقْلِ أَيْنَ مَأْوَاهُ؟
سَأَلْتُ أَهْلَ الْغَرَامِ أَيْنَ عَسَى
أَلْقَى فُؤَادِي، وَأَيْنَ مَثْوَاهُ؟
يَا جِيرةَ الْعِشْقِ كَيْفَ أَمْنَعُهُ
مَنِ اسْتَبى وَجْدَهُ؛ وَسَاهَاهُ؟(١٠)
يَا عِتْرَتي هَلْ يَدُلُّني رَجُلٌ
عَلَى فُؤَادٍ، يَشِتُّ مَرْسَاهُ؟
قَالُوا: (حَبِيبٌ أَتى، وَغَيَّبَهُ
والْعِشْقُ وَاحَسْرَتَاهُ أَغْوَاهُ
لَدَى حبيبٍ طريقُهُ نَدَمٌ
عَلَى احْتِرَافِ الْغِيَابِ رَبَّاهُ
أَذَاقَهُ الْوَهْنَ في تَرَحُّلِهِ
آلَمَهُ نأْيُهُ، وَأَضْوَاهُ(١١)
يَلْقَى بِظِلِّ الْحَبِيبِ تَسْرِيَةً
وصَارَ في حِضْنِهِ مُسَرَّاهُ)(١٢)
مَا لي أَرَى الْقَلْبَ غَابَ مُبْتَعِدًا
ومَا الذي هَمَّهُ؛ فَأَلْهَاهُ
تَبِعْتُ قَلْبي، رَحَلْتُ مُغْتَرِبًا
لَعَلَّهُ في الطَّرِيقِ لَاقَاهُ
ذَهَبْتُ في إثْرِهِ، وَيَا وَجَعِي
قَدْ ذَابَ إِذْ ذَابَ في خَلَايَاهُ
رَأَيْتُ قَلْبي لَدَى مُعَذِّبِهِ
عَاتَبْتُهُ فَاتَني، وَلَاهَاهُ
حَبِيبُنا حَازَهُ، اسْتَبَدَّ بِهِ
وفِي بَرَى الْعَاصِفَاتِ أَبْرَاهُ
جَبَّارُ عِشْقٍ أَشَاعَ فِتْنَتَهُ
ومِنْ مَرِيرِ الْعَذابِ أَسْقَاهُ
عاثَ فَسَادًا بَرَى جَوَا نِحَنَا
أَمَاتَ قَلْبِي بِهِ، وَسَجَّاهُ(١٣)
وأَدْمَعَ الْجَفْنَ في تَغَيُّبِهِ
وشَرَّحَ الْمُسْتَهَامَ، أَدْمَاهُ
وبَاعَهُ بالرَّخِيصِ، شَرَّدَهُ
وفي زَمَانِ الْوِصَالِ جَافَاهُ
في سَاحَةِ الْعَاشِقِينِ ذبَّحَنَا
أَجْرَى قِتَالًا، وَفَاتَ مَوْتَاهُ
حُرُوبُهُ في القُلُوبِ أَضْرَمَهَا
قِتَالُهُ في الْغَرَامِ ذَكَّاهُ
قَلْبِي غَرِيرٌ بِطَبْعِهِ وَهِنٌ
يَصْفَحُ عمَّنْ هَوَاهُ آذَاهُ
إِذَا تَصَدَّى لَهُ بِمُعْتَرَكٍ
أَصْبَحَ في الْحَرْبِ كُلَّ قَتْلَاهُ
ويْحِي عَلَى القَلْبِ لَا يُبَارِحُهُ
حُزْنٌ، وَدَاءُ الْغَرَامِ أَوْهَاهُ(١٤)
كَيْفَ انْفِلَاتي، وَحُبُّهُ لَغَمٌ
واسْتَقْبَلَتْ مُهْجَتي شَظَايَاهُ
أبْقَى تَعِيسًا صَريعَ رَغْبَتِهِ
مَنْ يُنقِذُ الْقَلْبَ مِنْ خَطَاياهُ؟
ومَنْ يُواسِيهِ في صَبَابَتِهِ
سِوى صَرِيعِ الْقُلوبِ، آساهُ(١٥)
يَا مَنْ لَقِينَاكَ تَكْتَوي تَرَحًا
واعْتَصَرتْ في الْبُكا حَنَايَاهُ
قَلْبي الْبَرِيءَ الذي يَفيضُ أَسًى
وانْفَطَرَتْ في الْهَوَى ثَنَايَاهُ
هَلَكْتَ عِشْقًا، وَلَا أَرَاكَ إِذَا
مَا مُتَّ إلا وَأَنْتَ تَهْوَاهُ
تَهْوَى حَبِيبًا، وَلَسْتَ تَعْرِفُهُ
ومَا اطَّلعْنَا عَلَى نَوَايَاهُ
أَسْقَاكَ مُرَّ السِّقَامِ، أتْلفَنَا
ذُقْنَا عَذَابَ الهَوَانِ جَرَّاهُ
ورَغْمَ نَهْرِ الدُّمُوعِ تَعْشَقُهُ
وتَرْتَضِي مِنْ بُكَاكَ أَقْسَاهُ
أَلَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْكَ طَلَّتَهُ
وأَبْعَدَ الْعِشْقَ عَنْهُ، نَحَّاهُ(١٦)
وبَوْحُنَا بِالشِّعُورِ يَرْفُضُهُ
إِحْسَاسُنَا كانَ مِنْ ضَحَايَاهُ
تَمَرَّغَ القَلْبُ في مَذَلَّتِهِ
وصَارَ وَضْعُ الخُنُوعِ مَجْرَاهُ(١٧)
حذَّرتُ قَلْبِي مِنَ الْوُثُوقِ بِهِ
فَنَحْنُ في الْعِشْقِ مِنْ سَبَايَاهُ
والْقَلْبُ يَأْبَى، وَلَا يُصدِّقُني
بَعْدَ الذي قُلْتُ، قَالَ: (حَاشَاهُ!)
حَمِيَّةُ الْعَاشِقِينِ تَسْرِقُهُ
وسِحْرُ هَذَا الْغَرَامِ أَعْمَاهُ
صَرَمْتُ حَبْلَ الْوِدَادِ، وابْنُ دَمَي
قَدْ مَدَّ حَبْلَ الْوصَالِ أَرْخَاهُ!(١٨)
تَصْبُو قُلُوبٌ لِمَنْ يُعَذِّبُهَا
وعِلَّةُ الْقَلْبِ مَا تَمَنَّاهُ
يَا عَاشِقَ الذُّلِّ غَنِّ، وَاحْكِ لَنَا
غِلافُكَ الْهّشُّ كَيْفَ أَدْمَاهُ
رَهْ كيْفَ أَفْنَاكَ عِهْ مَكَايِدَهُ
شَرْيَانُكَ الغَضُّ ذاكَ صَفَّاهُ(١٩)
طَالَتْ أَرَاضِيكَ أَلْفُ مَذْبَحَةٍ
سَالَتْ دِمَاءٌ إِذَا ذَكَرْنَاهُ
بِئْسَ الْعِنَادُ الْمَرِيرُ عَلْقَمُهُ
أَتَى دَفِينَ الْقُلُوبِ، أَرْدَاهُ(٢٠)
ذَكَّرْتَنِي بِالذي يُسيِّرُهُ
وسْوَاسُهُ إِنْ أَتَى، وَأَزْجَاهُ(٢١)
إِذْ قَالَ: (إِنِّي أَنَا كَبِيرُكُمُ)
كِبْرًا، وحُلْمُ الْكَمَالِ مَبْغَاهُ
لَمَّا أَتَى، وَالْخَوَاءُ يُورِدُهُ
شُعُورَ عِزٍّ بِهِ، وَغَذَّاهُ
مِنْ حُبِّ ذَاتٍ سَرَى الْغُرُورُ بِهِ
ظَلَّا هَذَاذَيْكَ فَاسْتَبَاحَاهُ(٢٢)
لَنْ يَبْلُغَ الْخُلْدَ إنَّ مَذْهَبَهُ
وهْمٌ، وَحَدُّ الفَنَاءِ أَقْصَاهُ
يَنْضِحُ عَجْزًا لِضَعْفِ حِيلَتِهِ
ومَا الذي في الْوُجُودِ يَسْوَاهُ
واللَّهِ ذَكَّرْتَنَا بِصَاحِبِنَا
يَهْمِي نُزُوحًا إِلَى ثُرَيَّاهُ(٢٣)
يَسْقِيكَ نَفْحَ الْهَوَى كَأَنَّ بِهِ
أَزَاحَ سِتْرَ الْحِجَابِ أَسْرَاهُ(٢٤)
وقَالَ: (أَهْوَى الْجَمَالَ مُطْلَقَهُ)
يَلُوجُ مِنْ كَوْنِهِ لِمَنْفَاهُ
مِنْ فَرْطِ عِشْقِ الْبَهِيِّ كَانَ إِذَا
أَجَلَّ تَعْظِيمَهُ، تَجَلَّاهُ
مَا انْفَكَّ عَقْلٌ لَهُ يُجَسِّمُهُ
يَرَى وُلُوجَ الْعَلِيِّ أَدْنَاهُ
في كُلِّ شَيءٍ لَهُ رَآهُ بِهِ
وكُلُّ شَيءٍ سِوَاهُ أَلْغَاهُ
وقَالَ وَصْفًا: (كَأَنَّ هَيْئَتَهُ
جُزْءٌ مِنَ الْكُلِّ قَدْ عَرَفْنَاهُ)
إذا سَأَلْنَاهُ: كَيْفَ؟! قَالَ لَنَا:
(شَيءٌ مِنَ الْكُلِّ كُلُّ سِيمَاهُ
وكُلُّ بَدْءٍ إِلَيْهِ مَنْشَأُهُ
وكُلُّ مَا يَنْتَهِي مُؤَدَّاهُ
قَبْلَ الْوُجُودِ اسْتِوَاءُ أَوَّلِهِ
وفي الْجِبَابِ اسْتَقَرَّ إِيحَاهُ(٢٥)
وكَوْكَبُ الدُّرِّ في تَصَوُّرِنَا
نُورٌ لَهُ في الْبَهَاءِ حَدَّاهُ)
بَعْضٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ثَلَّثَهُ
وقَلْبُهُ قَدْ أَقَرَّ مَثْنَاهُ
ولَفْظُهُ في الْخَفَا يُبَطِّنُهُ
عَلَيْكَ أَنْ تَسْتَشِفَّ مَعْنَاهُ
كَأَنَّمَا دَسَّ في عِبَارَتِهِ
كَنْزًا، وَعَنْ مَا نَعِيهِ دَرَّاهُ(٢٦)
نَلْقَى شُرُوحًا يُحِيطُنَا كَلِمٌ
إِنْ ذَاكَ أَخْفَاهُ ذَاكَ أَبْدَاهُ
ولَوْ سَأَلْتُ الْوَلِيَّ قَالَ: (أَمَا
لَوْ فُسِّرَ الرَّمْزُ ضَاعَ مَغْزَاهُ)
وإِنْ سَأَلْنَا الْمُرِيدَ قَالَ لَنَا:
(مَنْ خَاضَ بَحْرَ الْعُلُومِ جَلَّاهُ)
مُفَوَّهٌ في الْخِطَابِ نَابِغَةٌ
كَأَنَّ عِلْمَ الكَلَامِ أَرْسَاهُ
ولَقَّمَ النَّاسَ صِيتَ شُهْرَتِهِ
إِنْ فَاهَ شِعْرًا، وَبَاحَهُ فَاهُ
تَفُوحُ مِنْ ذِكْرِهِ كَرَامَتُهُ
وتَنْتَشِي في هَوَاهُ أَفْوَاهُ
خَلِيفَةٌ مَنْ تُراهُ خَلَّفَهُ
في الْأَرْضِ أَوْ خَصَّهُ، وَأَوْلَاهُ؟!
يَفِيضُ بِالْوَعْظِ مِنْ جَرِيرَتِهِ
وظَنَّهَا الْعِشْقَ؛ خَابَ مَسْراهُ
هَلْ يَمْحَقُ الْحُبُّ ذَنْبَ صَاحِبِهِ
إِنْ كَانَ بِاسْمِ الْهَوَى تَجَنَّاهُ؟
مَنِ ادَّعَى في الْوَرَى سِيَادَتَهُ
كَمَنْ رَأَى بِالدَّنيِّ أَعْلَاهُ
كُلُّ فَرِيقٍ قَدِ اشْتَهَى صَنَمًا
أَسْكَنَهُ نَفْسَهُ، وَطَوَّاهُ
مَيْلٌ لِتَجْسِيدِ مَا يَمِيلُ لَهُ
ومَنْ أَرَادَ الْكَمَالَ حَاكَاهُ
ذكَّرْتَني بالذي تَغَافَلَ عَنْ
فُرُوضِ مَقْصودِهِ، وَتَقْوَاهُ
تَغُرُّهُ بِالْحَبِيبِ رَحْمَتُهُ
بِلا ثَنَاءٍ عَلَى عَطايَاهُ
بِنِيَّةِ الْقَلْبِ يَكْتَفي وَلَعًا
وكُلُّ جَهْدٍ لَهُ تَحَاشَاهُ
وأَيُّ فَضْلٍ تَرَاهُ يَجْحَدُهُ
وأَيُّ حَقٍّ عَلَيْهِ أَعْفَاهُ
قَدِ اكْتَفَى بِالدُّعَاءِ، في كَسَلٍ
وقَالَ: (هَذَا الْهَوَى)، وَسَمَّاهُ
عَقِيدَةُ الْعِشْقِ لَا رَبَاحَ بِهَا
إِذَا تَنَاسَى الْفُؤَادُ أُخْرَاهُ
ومَنْ نَفَى بَرْأَهُ، وَأَنْكَرَهُ
مَنْ ذَا الذي عَنْ هَوَاهُ أَغْنَاهُ؟!(٢٧)
جَنَانُهُ ارْتَدَّ حِينَ نَافَرَهُ
وفي طَرِيقِ الضَّلَالِ عَادَاهُ(٢٨)
أَلْغَزَ لُغْزًا، وَسِرُّ مُبْهَمِهِ
إِنْ سَاءَلَ الْقَلْبَ عَنْهُ أَفْتَاهُ(٢٩)
ومَنْ وَلَى في الْغَرامِ سَيِّدَهُ
وقَدَّسَ الْمُنتَقَى، وَوَالَاهُ(٣٠)
كَأَنَّهُ سَامِقٌ، وَمَنْطِقُهُ
سَامٍ، وَنُورُ الْعَلِيِّ أَوْحَاهُ(٣١)
ومَنْ يُغَمِّي الْمَقَالَ كَانَ إَذَا
فَسَّرَهُ لِلْأَنَامِ غَشَّاهُ(٣٢)
إِذَا رَأَى بَيِّنًا يُؤَوِّلُهُ
وفِي صُنُوفِ الْمَجَازِ وَارَاهُ
ظَاهِرُهُ بِاطِنٌ، وَبَاطِنُهُ
ظَاهِرُهُ، تَخْتَفي خَبَايَاهُ
ومَنْ تَخَشَّى؛ فَسَرَّ مَقْصَدَهُ
أَضْمَرَ مَكْنُونَهُ، وَخَبَّاهُ
تَكَتَّمَ الْطَّبْعَ في سَرِيرَتِهِ
وكلُّ بَوْحٍ لَهُ تَوَقَّاهُ
أَخْفَى الْهَوَى، في حُمَى تَقِيَّتِهِ
تَوْرِيَةٌ غَلَّفَتْ خَفَايَاهُ(٣٣)
أَصْبَحَ في الْحَالِ بَيْنَ بَيْنَ؛ فَما
أَفْطَنَهُ في الْهَوَى، وَأَغْبَاهُ!
ومَنْ أَسَرَّ احْتِيَالَ مَظْهَرِهِ
وكُلُّ مَا بالضَّمِيرِ أَخْفَاهُ(٣٤)
زيَّنَ بِالزَّيْفِ مَا تَصَنَّعَهُ
لَهْوَقَ بِالزُّورِ مَا تَبَدَّاهُ(٣٥)
تَكَشَّفَتْ عَاجِلًا خَدِيعَتُهُ
أَوْ آجِلًا هُشِّمَتْ مَرَايَاهُ
ومَنْ يُقَوِّي بقَلْبِهِ مِقَةً
لِرَأْيِهِ، وَالْغُرورُ عَرَّاهُ(٣٦)
تَأَرَّبَتْ بِالْهَوَى حَمِيَّتُهُ
واشْتَدَّ في قَوْلِهِ؛ فَأَعْنَاهُ(٣٧)
أَصَدَرَ حُكْمَ الْمُرُوقِ في سَفَهٍ
إذا نَقِيضُ الحَدِيثِ آتاهُ(٣٨)
حِزْبٌ مُوَالٍ لِضِيقِ مَذْهَبِهِ
كُلُّ الذِي دُونَهُ تَلَافَاهُ
ومَنْ تَقَوَّى بِمَا اقْتَنَاهُ، ومَنْ
غَيَّرَهُ مَنْصِبٌ تَوَلَّاهُ
كُلٌّ تَصَدَّى لِنَيْلِ بُغْيَتِهِ
كُلٌّ يُغَنِّي لِأَجْلِ لَيْلَاهُ
يَا قَلْبُ كُنْ في غَرَامِنَا حَذِرًا
مَنِ ابْتَغَى مُبْهَمًا تَحَرَّاهُ(٣٩)
لقَّمْتَني الْعِشْقَ ذُلَّ مَرْغَمَةٍ
فَمَا اسْتَرَحْنا، وَمَا احْتَمَلْناهُ(٤٠)
عاتَبْتُ قَلْبي، وَعِنْدَ مَعْتَبَتي
رَأَيْتُ دَمْعَ الْحَنِينِ أَبْلَاهُ
حَبِيبُهُ فَاتَهُ، وَفَارَقَهُ
وكُلُّ عَطْفٍ لَدَيْهِ أَنْهَاهُ
أَمَاتَهُ بالشِّقَاقِ عَذَّبَهُ
وبِالْبُكَا خَصَّهُ، وأَصْفَاهُ(٤١)
غَرَّبَهُ في أَسَى الْغَرَامِ؛ فَمَا
طَهْوِي إِذا فَاتَهُ، وَوَلَّاهُ؟!(٤٢)
سَحَبْتُ أُعْتُوبَتي عَلَى مَضَضٍ
يَكْفِيهِ ما خَاضَهُ، وَعَانَاهُ
يَا قَلْبُ أَكْمِلْ عَجِيبَ قَوْلِكَ لي
عَلَامَ هَذَا الرُّضوخُ تَرْضَاهُ
تَبَّتْ يَدَا الْقَلْبِ كَيْفَ أَقْنَعَني
مَنْطُوقُهُ، بِاللذِيذِ حَلَّاهُ
ورَغْمَ ضِيقي بِمَا يَكِنُّ لَهُ
لِسَانُ حَالي أَتَى، وَوَاسَاهُ
هَوِّنْ عَلَيْنَا؛ فَحُبُّنا قَدَرٌ
دَارُ الْهَوَى لَوْعَةٌ، وَإِيلَاهُ(٤٣)
أَلَيْسَ هَذَا الذي حَلَمْتَ بِهِ
وعَدَّدَ النَّبْضُ لي مَزَايَاهُ
تَسْتَرْحِمُ اللَّهَ في تَضَرُّعِنَا
ومَا تَمَنَّيْتَ مِنْهُ إِلَّا هُو
لَا تَبْتَئِسْ مِنْ أَسَى الْغَرَامِ إِذَا
هَوَاكَ أَضْنَى الشُّعُورَ، أَعْيَاهُ
فَكُلُّ قَلْبٍ، إِذَا تَوَكَّلَ لَا
يُضَيِّعُ اللَّهُ صِدْقَ مَسْعَاهُ
وكُلُّ عِشْقٍ بِمَا نَوَيْتَ إِذَا
أَخْلَصْتَ حُبًّا يُحِبُّكَ اللَّهُ
فَاكْتُبْ لَهُ عِشْقَنَا، وَكُنْ وَلِعًا
طَيِّبْ، وَعَطِّرْ رُبُوعَ مَمْسَاهُ(٤٤)
وقُلْ لَهُ البَوْحَ مِنْ بَنَاتِ فَمٍ
شَهْدًا إِذَا مَا الْغَلِيلُ أَضْنَاهُ(٤٥)
وبُثَّ مِنْ شِعْرِنا لِمُهْجَتِهِ
لَعَلَّهُ في الْغَرَامِ يَلْقَاهُ(٤٦)
وقُلْ مِنَ النَّظمِ مَا يَمِيلُ لَهُ
عِشْقًا إذا مَا الْتَقَاهُ غَنَّاهُ
وقُلْ لَهُ كَمْ يُحِبُّ في وَلَهٍ
قَلْبٌ فَنَى، في يَدَيْهِ مَحْيَاهُ(٤٧)
وكَوْكَبُ الْقَلْبِ بَاتَ مَسْكَنَهُ
وفَيْضُ إِلْهَامِنَا هَدَايَاهُ
أَبْياتُ شِعْري غَدَا مُعَلِّمَهَا
أَحْلَى حُرُوفِ الْهَوى صَبَايَاهُ
نَكْتُبُ شَوْقًا بِهِ نُغَازِلُهُ
صَبَا نَسِيمِ الْحَنِينِ فَحْوَاهُ(٤٨)
إِذَا تَنَاهَى إِلَى مَسَامِعِهِ
أَجْوَدُ شِعْرِ الْهُيَامِ أَصْبَاهُ
تَضُوعُ مِنْ نَصِّهِ مَشَاعِرُنَا
ويَسْكُنُ الشَّوْقُ في حَشَايَاهُ
فَاضَ هَوَىً يَحْتَوِي عَلى عَبَقٍ
مُعَطَّرٍ فَاحَ مِنْ زَوَايَاهُ
نَبُثُّ عِشْقًا بِهِ نَخُطُّ عَلَى
نِيَاطِ قَلْبٍ إِذَا كَتَبْنَاهُ
يَا حَاسِدَ الْقَلْبِ لا تَغَرْ أَبَدًا
مِنْ رَجُلٍ عِشْقُهُ تَوَفَّاهُ(٤٩)
لَا تَحْسِدَنِّي؛ فكُلُّ مُبْتَهِجٍ
لَدَيْهِ مَا هَمَّهُ، وَعَنَّاهُ(٥٠)
إِذَا رَأَيْتَ الْمُحِبَّ مُنْتَعِشًا
فَذَاكَ مِنْ حُرْقَةٍ بِشَكْوَاهُ
وإِنْ رَأَيْتَ الْفُؤَادَ مُنْتَشِيًا
فَذَاكَ لَوْ تَنْتَشي بَقَايَاهُ
يَا قَلْبُ يَا مَنْ هَرَبْتَ مُنْفَرِدًا
قُلْ مُسْتَتِيبًا إِذَا رَأَيْنَاهُ(٥١)
أَعُوذُ في الْعِشْقِ مِنْ شُرورِ هَوًى
مَا عُدْتُ بَعْدَ الْجِراحِ أَحْيَاهُ
قَلْبِي اسْتَرِحْ لَمْ تَزَلْ تُصَغِّرُنَا
تَزْدَادُ ذُلًّا بِخَيْمِ أَسْرَاهُ
مَازِلْتَ يَا بْنَ الْكِرامِ مُلتَعِجًا
تَخَافُ مِنْ بُعْدِهِ، وتَخْشَاهُ(٥٢)
ضَاعَتْ مَساعِيكَ في الْمَحَبَّةِ لَا
مُلْكٌ، وَلَا مَنْصِبٌ، وَلَا جَاهُ