تخطَّ إلى المحتوى

كم مرة فقد المحب رشاده

غير معروف

٥٠ بيت

المتفرقات

كم مرةٍ فقدَ المحب رشادَهُ

ومضى يسلّي في الرياض فؤادَهُ

فيبيت يشكو في الظلام بعادَه

وبقلبه حزنٌ يطيل سهاده

بين الجوامد لا يراهُ ناظرُ

وإذا الصَّبا لعِبت بأوراق الشجرْ

واستجلبتْ بحفيفها منه الفِكَرْ

يسجو على عُشبٍ يُدبِّجه الزَّهَر

ويزوره طيفٌ جميلٌ كالقمر

طيفٌ الحبيبةِ وهو باهٍ باهرُ

فيرى ملامحها وبارق ثغرها

في روضةٍ والزهرُ زِينةُ صَدرها

والريحُ قد لعبت بطُرَّةِ شَعرها

وبدا الجبين مخبّرًا عن طُهرها

إذ إنه للطهر رسمٌ ظاهرُ

تختارُ من بين الزهور الزاهرهْ

في الروض زهرَ الأقحوانِ مُفَاخِرهْ

وأمامه تجثو بلطفٍ صاغره

والعينُ سكرى بالدموع وناظره

لبهاهُ وهو شذا المحبةِ ناشرُ

ترنو إليِه ثم تُدنيه اللمَى

وتقول مَن أهواه منك تَجسَّما

ولوَ ان لي في الحب سعدًا مثلما

سعد الحبيبُ بحبه يومًا لما

أضنى فؤادي منه حُكمٌ جائرُ

هذا وقلبُ حبيبها يتصدَّعُ

وجْدًا ومقلتُهُ اشتياقًا تدمعُ

أو ما كفاه وفي بكاها يسطع

برهانُ حبٍّ صادقٍ لا يُدفَع

من أنه بفؤاد بِكرٍ ظافرُ

فأتى إليها وهي واهيةُ القُوى

مطروحةٌ تشكو تباريحَ الهوى

ودنا فأبصرها كزهرٍ قد ذوى

من فرط تأثير الصبابةِ والجَوى

فبكى وجاش به الزفيرُ الزافرُ

بحذاءِ جسمٍ بالكمالِ مُجلّلِ

وبقرب رأسٍ بالزهور مُكَلّل

وإزاءَ ثغرٍ بالبهاء مُجَمَّل

وقفَ الحبيب كناظرٍ متأمّل

شغفًا يكابده الفؤاد الطاهرُ

ثم انحنى وَلَهًا لضمِّ جبينها

فأحسَّ في أحشاه صوتَ أنينها

فَذَكا شديدُ حنينِهِ كحنينِها

فسقى محيّاها بحالِ شجونها

دمعًا وقال إلى متى أنا صابرُ

وبأُذْنها همسَ الحبيبُ ألا انعمي

وصْلاً وها أنا ذا بقربكِ فاسلمي

هبِّي فكِدتُ أموتُ وجدًا وارحمي

دمعًا سخينًا قد تَمازجَ بالدم

ومن الحشا بدأتْ تذوبُ مرائرُ

حتى إذا ما الصوتُ أدرك أُذْنها

يقظت ودهشتُها تُهيّج وهْنَها

ورَنَت إليهِ وهْيَ تطرد حزنَها

والقلبُ يخفق بهجةً إذ إنها

عرفتْهُ وهْوَ ندى الصبابة ناثر

يا مهجتي صاحت لقد جرَّعتني

كأس البلاء وفي البعاد تركتني

أشقيتني زمنًا وكم أسكبتني

دمعًا ولولا الوصلُ كنت وجدتني

في القبر يبكيني الحمامُ الهادر

قل لي أيوجد مثل حبي في الدنا

أم هل رأيت نظير سقمي والضنى

حبٌّ فقدت به السعادة والهنا

ووجدت أنواع الشقاوة والعنا

وعلى شقائي لم يكن لي ناصر

كم كان جفنكَ يحتسي صِرف الكرى

وأنا أكون وحيدةً بين الورى

أيكون حبك مثل حبي يا ترى

شتانَ ما بين الثريا والثرى

أشكو الهوى ليلي وطرفي ساهر

ولئن تكن دَنِفًا مشوقًا مولعا

تجد الرياض لنفي همّك مَرتعا

أمّا أنا فأرى رقيبًا مُفزِعا

ما رقَّ لي يومًا ولا سقمي رعى

يُبدي الحنان وفي الحقيقة غادر

هو والدٌ لا يرتضي بمحبّتي

أبدًا ولا يرثي لشكوى علتي

حدَّثتُه يومًا بعِظم بليّتي

فأذاقني عنفًا رأيت منيّتي

فيه ولم يشفقْ عليّ الجائر

خلِّصْ فؤادي من مرارة حزنهِ

أطلقْه قسرًا من دجنّة سجنهِ

قد آنَ أن يشقى الوصال بحسنه

جفنًا تقرّحه الدموع لوهنه

فعسى يساعدك الإله القادر

ثم استوت لينًا وضمّته إلى

صدرٍ تهيج به الصبابة والولا

وتنهّدت وشكت إلى ربّ العلا

حبّاً أقيم لأجل تعذيب الملا

فأصابها منه النصيب الوافر

في وسط تيّار اللواعج والغزلْ

لثمت محيّاه الجميل على عجلْ

فاحمرَّ وجه البِكْر من فرط الوجل

وجبينها الوضّاح أنداه الخجل

فبدت يجلّلها الحياء الطاهر

أمّا الحبيبُ فقد أحسّ برعدةِ

في جسمه تسري بُعيْدَ القبلةِ

ثم استفاق كمن صحا من نشوةِ

فإذا به في الحلم وسط الروضةِ

ملقًى وقد طلع الصباح الزاهر