أَهَمٌّ سَرَى أَمْ عادَ للعينِ عائِرُ
أَمْ انتابَنا من آخِرِ الليلِ زائِرُ
ونحن بأرضٍ قَلَّ ما يجشمُ السُّرَى
بها العَرَبِيّاتُ الحِسانُ الحَرائِرُ
كَثِيرٌ بها الاعداءُ يحصرُ دونَها
بَرِيدَ الأميرِ المستحثُ المثابِرُ
فبتُّ أُلَهّى في المنامِ كما أَرَى
وفي الشيبِ عن بعضِ البطالِة زاجِرُ
بساجية العينين خَوْدٍ يَلَذُّها
إذا أَطْرَقَ الليلُ الضَّجِيعُ المباشِرُ
كأَنَّ ثَنايَاها بناتُ سَحابَةٍ
حداهُنَّ شُؤْبُوبٌ من الغَيثِ باكِرُ
فهُنَّ معًا أو إقحوانٌ بِرَوْضَةٍ
تَعَاوَرَها يومين طَلٌّ وماطِرُ
فقلتُ لها كيفَ اهتديتِ ودُونَنا
دَلُوكٌ وَأَشْرَافُ الجِبَالِ القواهِرُ
وجَيْحانُ جَيْحانُ الجيوشِ والسُنٌ
وحَزْمُ خَزازى والشعوبُ القواسِرُ
أَغَرّ يَرَى الأعلامَ عاصِبَةً بهِ
كما عَصَبَتْ بالمَرْزَبَانِ الأَسَاوِر
إذا أَلْبَسَ الأرضَ القتامُ تَفَرَّجَتْ
شمارِيخُهُ فالآلُ عَنْهُنَّ حاسِرُ
يسامي السحابَ الغرَّ حتى تَظلَّهُ
غمائِمُ منه فَهْوَ أَخْضَرُ ناضِرُ
أَجَدَّ أبو حَفْصٍ بنا السيَر وارتَمَتْ
بنا الأرضُ حتى ما تُعَدُّ المسائِرُ
فسارَ بعُظْمِ الجيشِ ليسَ يروعُهُ
مَضِيقٌ ولا نَهْرٌ من الماءِ غامِرُ
إذا ما هبطنا بلدةً غَصَّ فَرْجُها
بنا وكَسَا الأحدابَ أَصْهَبُ ثائِرُ
فَمَنْ يلتمِسْنا أو يردنا يَقُمْ لَهُ
إلينا طَرِيقٌ يقسمُ الأرضَ فاقرُ
يخوضُ بنا أرضَ العَدُوِّ فتىً له
مآثِرُ لا تجزي بهنّ ماثِرُ
إذا ذكَرَ الْأَقْوَامُ أَحْسَابَهُم نَمَا
إلى خيرِ ما تُنْمَي إليْهِ المَعَاشِرُ
فتىً يملأُ الأبصارَ حينَ يَرَيْنَهُ
فما تشتفي منه العيونُ النواظِرُ
فَمَنْ يَرَهُ لَا يُنكِرُ الدَّهْرَ وَجْهَهُ
ولا صَوْتَهُ إنّ الخليطَ المُجاهِرُ
وَثِيقُ القُوَى لا ينقضُ القولُ عُقْدَهُ
ولا ينكثُ الأمرَ القَوِيُّ المشاوِرُ
يلينُ إلى مَنْ لم يُرِبْهُ برِيبَةٍ
ومنه شِماسُ النفسِ حينَ يناكِرُ
لَهُ رايَةٌ تهدي الجموعَ كأنّها
إذا خَطَرَتْ في ثَعْلَبِ الرُّمْحِ طائِرُ
وأَعْرَنَ جرّارٍ تواضَعَ بالضحى
لهُ الأرضُ حتى تَطْمَئِنَّ الظواهِرُ
رمى بالسرايا كُلَّ ثَغْرٍ وقادَها
هو الرأسُ يَهْدِينا ونَحْنُ الأباهِرُ
فكانوا هُمُ الأَظفارُ والرأسُ فَوْقَهم
ولولا مكانُ الرأسِ طاحَ الأظافِرُ
يُفِّرقُهم طَوْرًا وطَوْرًا يلفُّهُم
كما لَفَّ شَذّانَ القِداحِ المقامِرُ
إذا انفرجَتْ عن حاجِبَيْهِ عَجَاجَةٌ
تَعَطَّفُ أخرى أَنْشَأَتْها الحوافِرُ
حوافر كالخيلِ الرِّعانِ فَكُلِّمَتْ
سنابِكُها وانحصَّ منها الأشاعِرُ
وأَفْضَى النسورَ المجمراتِ حوافِر
إلى الأرضِ حتى أَوْجَعَتْها الدوابِرُ
سِواهِمُ من هَوْلِ الغَزَاةِ كأنَّها
من الجَهْدِ يَبْرِيها سُلالٌ مخامِرُ
وفي كُلِّ حينٍ يبْتَلِينَ بغارَةٍ
كما غلِسَ الودَّ القطا المتواترُ
يَلِكْنَ فؤوسَ اللَّجْمِ في كلِّ موقفٍ
تَباهَى بها فرسانُ صِدْقٍ مساعِرُ
طَوَى الركضُ في أَرْضِ العدو بطونَهُم
فَقَدْ خَفَّ منهم حيث تُلوى المآزِرُ
إذا بَرَدَ الأَسحارُ كانَ لبوسُهُم
خِفَافَ الدروعِ والسيوفُ البواتِرُ
وأقبية ما يطلقونَ زُرُورَها
فقد حَلَبَتْ فيها الجُلودَ الهواجِرُ
تَرَكْنَ من الصابونِ حُسْنًا ومَسَّها
مع اليَبْسِ قَيْظِيٌّ من الحَرِّ ناجِرُ
غَزَا عُمَرُ المنصورُ نَفْسًا ووالهًا
وليسَ لمَنْ لم ينصرِ اللهَ ناصِرُ
بجيشٍ تضل البُلْقُ في حَجَراتِهِ
علانيةً والمُبْتَغِي فيهِ حائِرُ
وعَسْكَرَ جَنْبًا ما يَرِيمُ مكانَهُ
بأَرْضِ فَضَاءٍ وهو للرومِ واتِرُ
تُحَبِّس أفواجًا عليهِ سَبِيُّهم
كما حُبِسَتْ في ذي المجازِ الأباعِرُ
وما كانَ يَثْوي في المكان الذي ثَوى
به في السنينِ الخالياتِ العساكِرُ
كأنّ أَكُفَّ السائلينَ ببابِهِ
إذا بُسِطَتْ والقُمْصُ عنها حواسِرُ
رؤوسُ نَهالٍ خامِساتٍ تعينُها
دلاءُ السُّقاةِ والحياضُ الدعاثرُ
رؤوسُ نَهالٍ خامِساتٍ تعينُها
دلاءُ السُّقاةِ والحياضُ الدواثرُ
إذا رُسُلٌ وَلَّى أتى الحوضَ مِثْلُهُ
وقَدْ تعقبُ المُسْتَوْرِكاتِ الصوادِرُ
فَنِعْمَ إمامُ القومِ إذْ كانَ غازِيًا
ونِعْمَ الفتى في أَهْلِهِ والمسافِرُ