أنت مصر تستعطي بأعينها النجل
وعرض جمال لا يقال إلى مثل
غريبة هذي الدار بادية الذل
جلت طفلة عن موطن ناضب قحل
فلاخية ما درها ثدي أمها
سوى ضعفها البادي عليها وهمها
ولم تتناول من أبيها سوى اسمها
وما أحرزت من أهلها غير يتمها
فكانت كنامي الغرس يزكو وينصر
ومطعمه طين ومسقاه أكدر
يحيط بها دوحان شيخ معمر
وأم عجوز القشر واللب أخضر
فمن صبحها تسعى لجني ومكتدى
وفي ليلها تقضي الذي يبتغي غدا
كما كان عبد الرق جنحا ومغتدى
يواصل مسعاه ليخدم سيدا
قضت هكذا بين الأسى والمتاعب
صباها ولما تغد بين الكواعب
فصحت كنبت الطود بين المعاطب
ومدت إلى حيث الثرى غير ناضب
فيا لقوى التمكين في جسم سالم
يقاومن دون العمر كل مقاوم
يجاذبن بالأوراق در الغمائم
يهابطن بالأعراق ذر المناجم
يمر بها عهد الصبا والتدلل
على شظف في عيشها وتذلل
وكم جرعت من صبرها كأس حنظل
وكم نالها صرف من الدهر مبتلي
وكم ضاجع الجوع الأثيم بهاءها
فقبلها حتى أجف دماءها
وكم ساعف الحر المذيب شقاءها
وكم نازع البرد الشديد بقاءها
أنرن نهاها في اعتكار التجارب
بنيرانهن المحرقات الثواقب
صغن لها من فحم تلك الغياهب
ذكاء من الماس المضيء الجوانب
دعاها بليلى والدها لتنكرا
وهل كان صونا لاسمها أن يغيرا
على أنها كانت مثالا مصورا
تصور من ماء الجمال مقطرا
يسر بمرأى حسنها كل سابل
فينفحها من ماله غير باخل
وكم مدقع من شدة الفقر سائل
يرد يديه لا يفوز بنائل
تحن إلى الصقع الذي لم يبرها
وجرعها صاب الحياة ومرها
نأت ونأى أترابها عنه كرها
ولكن هي الأوطان نحمد ضرها
على أنه صقع شحيح الجداول
عقيم الثرى لكنه جد آهل
جديب خصيب بالبطون الحوامل
وما تقذف الأمواج في متن ساحل
يعد بنيه للتباريح والفنا
إذا لم يرودوا كل أفق من الدنى
فتيخذون التيه في الأرض موطنا
وهم كالدبى الغرثى نفوسا وأبطنا
فلا تنكر الأزواج بغي نسائها
ولا تكبر الزوجات خلع حيائها
وولد خلت آباؤها عن إبائها
تساوم في حسن الوجوه ومائها
كذا أدبت ليلى فطيما وعالها
ذووها ليضحوا بعد حين عيالها
فتطعمهم من خزيها ما جنى لها
وتكسوهم مما تعري جمالها
ولكن في نفس الصغير المساويا
يماثلن بالحسن الخصال الزواهيا
كأول نبت الحقل يجمل ناميا
ولا تفرق العين الغريب المضاهيا
فلم يك في ليلى سوى ما يحبب
بها من معانيها الجياد ويعجب
وكانت على الأيام تنمو وتعذب
كمثمرة الأغصان والصقع طيب
إلى أن غدت في أعين المتوسم
تنير كنور الشارق المتبسم
منعمة الأعطاف لا عن تنعم
متممة أوصافها لم تتمم
ضروب جمال لو رأتها أميرة
رأت كيف تعلوها فتاة حقيرة
وكيف حوت جاه الملوك فقرة
مضورة مما تجوع جديرة
بهاء به يسمو على الجاه فقرها
وعري به يزري الجواهر نحرها
وثوب عتيق إن فشا منه سرها
أباح كنوزا للنواظر صدرها
ورأس إذا ما زانه تاج شعرها
فأشرف من عرش غضاضة قدرها
وقد تشتريه ذات تاج بفخرها
وترضى به تاجا كريما لفقرها
وقال أبوها يوم تم شبابها
وحيك لها من نور فجر إهابها
أيا أم ليلى حسب ليلى عذابها
توفر مسعاها وقل اكتسابها
أراها أصح الآن جسما وأجملا
فحتام لا نجني جناها المؤملا
نمت ونمو الفقر يأتي معجلا
ولم أر في الإعسار كالحان مؤئلا
فقالت لها أم شديد دماؤها
سخي مآقيها سريع بكاؤها
بنية هذي الحال أعضل داؤها
وأنت لنا دون الأنام دواؤها
فقالت أشيري يا أميمة إنني
لفاعلة ما شئته فأمرنني
وما تؤثريه أحترفه وأتقن
وكل الذي فيه رضاك يسرني
فقالت لها إنا نرى لك مهنة
تعيد علينا نقمة العيش منة
تكونين فيها للنواظر جنة
وللشاربين المستهامين فتنة
لخير لها يا أم العدم والطوى
من السعد تهديه إليها يد الهوى
وأولى بها من أن تذال فتصفوا
معاناة هم ناصب يوهن القوى
كذلك ناجاها الضمير مؤنبا
ولكن جوع النفس فها تغلبا