يقولونَ عنِّي في النجارة ماهرُ
فقلتُ وما أدراكمُ ما المناجرُ؟
عملتُ فقطْ عامين نجارَ قريةٍ
أجَلْ يشبهُ النجارَ من هو تاجِر
وعاملتُ بالحسنى الأنامَ كعادتِي
فلم تنفع الحسْنَى ولم يكُ شاكر
وكمْ غرفةٍ خشَّبتُها بعد غرفةٍ
كأن أبي في ذلك الوقت حاضر
وأتقنتُها الإتقانَ وحدي وأصبحتْ
تطالبُ لي بالشكر منْهم وتأمر
وقال فريقٌ إن «صبحي» موفقٌ
وقال فريقٌ حظه اليوم باهر
وقال أُناسٌ إن عيْنيه كلَّتا
وقالَ أناسٌ عنده المالُ وافر
وجادلتُ من قالوا تأنّيكَ زائدٌ
وأنتَ ضعيف القلب غيرك جاسر
نعمْ أتأَنَّى خشيةَ الغشِّ والأَذى
ومعظمُ أبوابي ترَاها النواظِر
وكم من غشومٍ لائمٍ لا يهمُّني
يقولُ اشتغلْ أسرعْ فما أنت قاصر
وما ربحتْ لولا التأَني نجارتي
كما كشفتْ أسبابَ عطلي الستائر
وأضعافُ ربحي لا تردُّ خسائري
وأين من الأرباح تلك الخسائر؟
تركتُ لغيْري مهنتي غير آسفٍ
على تركها والأمرُ من قبل سافِر
وعندِيَ أوقاتُ الفراغ كثيرةٌ
لقلبي وأيامُ الدوامِ نوادر
وما عدتُ أجني اليومَ قرشًا يسرُّني
ولا حملتْ مما جنيتُ البَواخر
جنيتُ العمَى رغمَ الوقايةِ والجنَى
إذا جلب الضرّاءَ شرٌّ وضائر
نشَاطِي سُدًى إذْ لحظُ عيْنيَّ سيءٌ
ولولاه لمْ أقعد وكنت أثابر
تعالجتُ في الماضي علاجًا مباشرًا
فلم يشْفِ عينيَّ العلاج المباشر
قضيتُ بنفسي أن أجددَ ما مضى
وها أنا في هذا السبيلِ مغامر
لأجلكما أسْعَى لآخر مرةٍ
فإما العمى الداني أو المتدابر
فؤادي معَ الأحبَابِ كالطيْر طائرٌ
وإني إذا ما هبَّ قلبي لشاعر
وإن ذكرَ الناسُ الأحبةَ تَلْقَني
وجُوبًا إلى ذكر الحبيب أبادر
أَبِي كانَ نجَّارًا يسمى معلّمًا
مداه عليه رحمةُ اللهِ غابر
توفيَ عام الألفِ والتسْع مايةً
وسبْعٍ وخمسين الذي أنا ذَاكر
ورابعُ يومٍ شهرُ تشرين ثانيًا
صباحَ نهار اثنين للعمر آخر
وفي ساعةٍ كانت مزاحًا وطالما
نعاه جماعاتٌ بها وتسامروا
هنالك والمنشارُ ضمنَ يمينه
ولم يدْرِ أن الموت إذ ذاكَ ناشر
يقصُّ به الألواحَ عند جماعةٍ
وإذْ بالردَى الغدّارُ آتٍ وآسر
قضى سكتةً قلبيةً وكأنما
دعاهُ «سليمانٌ» وناداهُ «جابر»
وهذَا فراقٌ بيننا دونَ رجعةٍ
وكم يرجع الحزن الشديد المغادر
ويا ليتني ما كنت أو متُّ قبله
ولا حَسَّ بالأحْزَان مني مُجَاور
إذا جاءتِ الآجالُ تأخذُ أهلها
وليست إذا آن الأوانُ تُشاور
وشكرًا لمن قامُوا بفرضِ كفايةٍ
ومن شاركونَا في العزاء وساهروا
وقد أنزلوه اللحدَّ بعد صلاتهم
عليه وبالي عند ذلك حائر
تبخّر دمعي ثم لم تجْرِ دمعةٌ
ودمعيَ لولا شدة الصبْرِ ماطر
توجعت في قلبي وما زلت صابرًا
وطوبى لموجوعٍ ذوى وهو صابر