تخطَّ إلى المحتوى

أمر السلطان بالشاعر يوما فأتاه

غير معروف

٧٢ بيت

المتفرقات

أمر السلطان بالشاعر يوما فأتاه

في كساء حائل الصّبغة واه جانباه

و حذاء أوشكت تفلت منه قدماه

قال : صف جاهي ، ففي وصفك لي للشعر جاه

إنّ لي القصر الذي لا تبلغ الطير ذراه

و لي الروض الذي يعبق بالمسك ثراه

و لي الجبش الذي ترشح بالموت ظباه

و لي الغابات و الشمذ الرواسي و المياه

و لي الناس ... و بؤس الناس منّي و الرفاه

إنّ هذا الكون ملكي ، أنا في الكون إله !

ضحك الشاعر ممّا سمعته أذناه

و تمنّى إنّ يداجي فعصته شفتاه

قال: إنّي لا أرى كما أنت تراه

إنّ ملكي قد طوى ملكك عنّي و محاه

ألقصر ينبيء عن مهارة شاعر

لبق ، و يخبر بعده عنّكا

هو الألى يدرون كنه جماله

فإذا مضوا فكأنّه دكّا

ستزول أنت و لا يزول جلاله

كالفلك تبقى ، إن خلت ، فلكا

و الرّوض ؟ إنّ الروض صنعه شاعر

سمح ، طروب ، رائق ، جزل

وشّى حواشيه وزيّن أرضه

بروائع الألوان و الظلّ

لفراشة تحيا له ، و لنحلة

تحيا به ، و لشاعر مثلي !

و لديمة تذري عليه دموعها

كيما تقيه غوائل المحل

و لبلبل غرد يساجل بلبلا

غردا ، و للنسمات و الطلّ

فإذا مضى زمن الربيع أضعته

و أقام في قلبي و في عقلي !

و الجيش معقود لواؤك فوقه

ما دمت تكسوه و تطعمه

للخبز طاعته و حسن ولائه

هو " لاته " الكبرى و " برهمه "

فإذا يجوع بظلّ عرشك ليلة

فهو الذي بيديه يحطّمه

لك منه أسيفه ، و لكن في غد

لسواك أسيفه و أسهمه

أتراه سار إلى الوغى متعلّلا

لولا الذي الشعراء تنظمه ؟

و إذا ترنّم هل بغير قصيدة

من شاعر مثلي ترنّمه ؟

و البحر ، قد ظفرت يداك بدرّه

و حصاه ، لكن هل ملكت هديره ؟

هو للدجى يلقي عليه خشوعه

و الصّبح يسكب ، و هو يضحك ، نوره

أمرجت أنت مياهه ؟ أصبغت أن

ت رماله ؟ أجبلت أنت صخوره

هو للرياح تهزّه و تثيره

و الشهب تسمع في الظلام زئيره

للطير هائمة به مفتونة

لا للذين يروّعون طيوره

للشاعر المفتون يخلق لاهيا

من موجة حورا و يعشق حوره

و لمن فيه رمز كيانه

و لمن يجيد لغيره تصويره

يا من يصيد الدرّ من أعماقه

أخذت يداك من الجليل حقيره

لا تدّعيه ... فليس يملك ، إنّه

كالرّوض جهدك أن تشمّ عبيره

و مررت بالجبل الأشمّ فما زوى

عنّي محاسنه و لست أميرا

و مررت أنت فما رأيت صخوره

ضحكت و لا رقصت لديك حبورا

و لقد نقلت لنملة ما تدّعي

فتعجّبت ، ممّا حكيت ، كثيرا

قالت : صديقك ما يكون ؟ أقشعما

أو أرقما ؟ أم ضيغما هيصورا ؟

أيحوك مثل العنكبوت بيوته

حوكا ؟ و يبني كالنسور و كورا ؟

هل يملأ الأعوار تبرا كالضّحى

و يردّ كالغيث الموات نضيرا ؟

أيلفّ كاللّيل الأباطح و الرّبى

و المنزل المعمور و المهجورا ؟

فأجبتها : كلّا ! فقالت : سمّه

في غير خوف " كائنا مغرورا ! "

فاحتدم السّلطان أيّ احتدام

و لاح حبّ البطش في مقلتيه

وصاح بالجلّاد : هات الحسام !

فأسرع الجلّاد يسعى إليه

فقال: دحرج رأس هذا الغلام

فرأسه عبء على منكبيه

قد طبع السّيف لحزّ الرّقاب

و هذه رقبة ثرثار

أقتله ...و اطرح جسمه للكلاب

و لتذهب الروح إلى النّار

سمعا و طوعا ، سيّدي !.. و انتضى

عضبا يموج الموت في شفرتيه

و لم يكن إلاّ كبرق أضا

حتّى أطار الرأس عن منكبيه

فسقط الشاعر معرورضا

يخدّش الأرض بكلتا يديه

كأنّما يبحث عن رأسه

فاستضحك السلطان من سجدته

ثمّ استوى يهمس في نفسه

" ذو جنّة " أمسى بلا جنّته

أجل ، هكذا هلك الشاعر

كما يهلك الآثم المذنب

فما غضّ في روضة طائر

و لم ينطفيء في السّما كوكب

و لا جزع الشّجر الناضر

و لا اكتأب المطرب

و كوفيء عن قتله القاتل

بمال جزيل وخدّ أسيل

فقال له خلقه السّافل :

ألا ليت لي كلّ يوم قتيل !

في ليلة طامسة الأنجم

تسلّل الموت إلى القصر

بين حراب الجند و الأسهم

و الأسيف الهنديّة الحمر

إلى سرير الملك الأعظم

إلى أمير البرّ و البحر !!

ففارق الدنيا و لمّا تزل

فيها خمور و أغاريد

فلم يمد حزنا عليه الجبل

و لا ذوى في الرّوض أملود

في حومة الموت و ظلّ البلى

قد التقى السّلطان و الشاعر

هذا بلا مجد ، و هذا بلا

ذلّ ، فلا باغ و لا ثائر

عانقت الأسمال تلك الحلى

واصطحب المقهور و القاهر

لا يجزع الشاعر أن يقتلا

ليس وراء القبر سيف و رمح

و لا يبالي ذاك أن يعذلا

سيّان عند الميّت ذمّ و مدح

و توالت الأجيال تطّرد

جيل يغيب و آخر يفد

أخنت على القصر المنيف فلا

الجدران قائمة و لا العمد

و مشت على الجيش الكثيف فلا

خيل مسوّمة و لا زرد

ذهبت بمن صلحوا و من فسدوا

و مضت بمن تعسوا و من سعدوا

و بمن أذاب الحبّ مهجته

و بمن تأكّل قلبه الحسد

و طوت ملوكا ما لهم عدد

فكأنّهم في الأرض ما وجدوا

و الشاعر المقتول باقية

أقواله فكأنّها الأبد

ألشيخ يلمس في جوانبها

صور الهوى و الحكمة الوله