خليليَّ ما لي أراهُ جرى
من العينِ دمعُكما أحْمَرا
أمن ذكرِ عهدِ بثينةَ أم
تذكّرتما الجبلَ الأخضرا
فحنَّ الفؤادُ لتلك الهضابِ
وتلك الشعابِ وتلك القرى
وتلك المروجِ وتلك العيونِ
وذاك الزمانِ الذي أدبرا
تذكّرتُ أيامَنا الماضياتِ
وليلاً مضى كلَّه مُقمرا
قضيناه نلعب لعبًا بريئًا
فلا سُكْرَ فيه ولا مُنكَرا
فنفترشُ العشبَ بين زهورٍ
يعانق أبيضُها الأحمرا
تُدارُ علينا كؤوسٌ وليستْ
مُدامةَ بل كانتِ «الأخضرا»
حلالٌ ويُذهب همَّ النفوسِ
ويُذكي الذي قلبُه استحْجَرا
إذا حلّ في الكأس وهو زجاجٌ
يُصيّرهُ ذهبًا أصفرا
ويصعدُ للجوّ منه بخارٌ
تشمُّ به الوردَ والعنبرا
إذا ما احتساهُ البخيلُ يجودُ
بكلِّ عزيزٍ وإن أعسرا
نُجالسُ كلَّ كريمٍ وسيمٍ
جرى مَعْ أبيه وما قصَّرا
فهل يا تُرى تَخْلُ تلك البلادُ
منَ الظالمين أيا هل تُرى
أُسرِّحُ طرفي ولو لحظةً
بتلك الوهادِ وتلك الذُّرى
أرى الشرْقَ قام وأنظرُ فيهِ
هلالَ العروبةِ قد أقمرا
وأنظر لا «موسوليني» أراهُ
ولا صاحبَيْه ولا هتلرَا
هناك يطيبُ لعيني المنامُ
ويُقبلُ عزٌّ لها أدْبَرا
بنفسي حياةٌ بليبيا تولَّتْ
ونعمَ الحياةُ حياةُ القُرى
ترى للحضارةِ فيها مَخِيمًا
وعزَّ البداوةِ فيها تَرى
رعى اللهُ تلك البلادَ رعاها
رعى اللهُ ربعًا بها أقْفَرا
بحبّة قلبي ونورِ العيونِ
شريتُه لو صحَّ أَن يُشْترى
وإن ذاك أدّى لفقدِ الحياةِ
ليدفنَ جسمي بذاك الثرى
ويومَ القيامةِ أُبْعَثُ منها
إلى خالقي يومَ بعْثِ الورى