عضَّهُ الدهرُ بالأسى والسُّهادِ
وسقَتْه الأيامُ كأس البعادِ
فهو يشكو الجوى بصوتٍ شجيٍّ
وحنينٍ يُذيبُ قلبَ الجماد
كيف يدري طعمَ الهناءِ سقيمٌ
مثقلٌ بالهموم والأصفاد؟
ربِّ رحماكَ قد تصدَّعَ قلبي
منذ فارقتُ موطنَ الأجداد
كلَّما هبَّ في الشَّآم نسيمٌ
سالَ دمعي على ضفاف الوادي
هائماً في القفار أندبُ صحباً
مزَّقَتْهمْ صواعقُ الأوغاد
وأناجي حمائمَ الدَّوح حتى
صار يبكي الحمامُ من إنشادي
في سبيلِ الأوطانِ سالتْ دماءٌ
هي نورٌ يُضيء سُبْل الرَّشاد
حَبَّذا حفرةٌ يضمُّ ثراها
خيرَ شبلٍ لأكرم الآساد
حَبَّذا حفرةٌ يفوح شذاها
من نجيع الأمير فخْرِ البلاد
يا فقيدَ الشَّباب أبقيتَ ذكراً
خالداً في الورى مدى الآباد
قد ذوى غصنكَ الرَّطيبُ فَأَذْكى
لوعةً تصطلي بكلِّ فؤاد
عاجلَتْك المنونُ فانهدَّ صرحٌ
كان بالأمس أمنعَ الأطواد
قدِّسوا غوطةَ الشآم وحيُّوا
في ربوع العلا ضحايا الجهاد
هي مثوى الغزاةِ، رمزُ الأماني
مهبطُ العزِّ قِبلة الأحفاد
قد كساها الرَّحمنُ أجملَ ثوبٍ
«ضاحكٍ من تزاحم الأضداد»
في بياض الطُّلول خضرةُ عشْبٍ
واحمرارِ الدِّما سواد الحِدَاد
لا يُضير الكُماةَ إطباقُ جفنٍ
فسيوفُ الكماةِ في الأغماد
إنَّ حرية الشُّعوب لَعمري
غادةٌ مهرُها دمُ الأمجاد
فافتدوها بأَنْفُسٍ ودماءٍ
وارفعوا صرحَها على الأجساد