إنّ الصبا بعض الذي أبغيه
ألعاب وسروره تكفيه
بين الهوى وصدى الوصال فنونه
و الرسمة الأحلى اكتشاف التيه
والفرحة الذهبية اشتدت به
حتى انثنى كالوصف والتشبيه
أما الزمان فإنّه مثل اللقى
والمرّة الدنيا شعور نبيه
والوقت معناه المنى والمرتجى
دهرَ المكوث وعندما نأتيه
يا يومه ذكراك عنقود الكرى
ينمو إلى الأقصى وما أسقيه
وفصوصها صور الثواني عندما
أروي نبات التين أو أجنيه
أبدى الصبى قربَ المسافة للمدى
لمّا أزاح الذهن عن تشويه
ودرى بديع الطائرات من الحصى
بدها بلا علم ولا تنبيه
ما ثمّ إلا عاشق شكْلَ الندى
فالوهم يأتي بالذي يرضيه
والفكرة الأولى تثير جماله
فيُرى على كرزٍ بلا تمويه
وإذا تمادى في الخيال تكرّرت
نجوى المحال وبعضها يغنيه
هل في الصبا إلا احتفال المنتهى
في كلّ أمر لم يكن يقصيه
ويذوب فيه المشتكى عند الرضى
إذ بالسريرة لحظة تنويه
والمفرحات تُرى صفوفا كالسنا
في السرعة القصوى وفي التوجيه
ولَيُشبع الطفل الشفوف على الرؤى
لو لم تكن تعنيه أو تعنيه
أوَما فشا رسم الدوائر عنده
فالخطّ بعد الخطّ لا يمحيه
والقفز بعد القفز فيها المبتغى
لكنه فوز بكل رفيه
أوَما طغى لمس النجوم وقطفها
إنّ القطيف إذا دنا نشريه
كلاّ لقد فهم الغرام لدى الصبا
لا بالشروح بل انه لبديهيْ
ومكرّهين أتى إليهم فهمه
حتى إذا مالوا عن التكريه
صاروا دروب الذهابين لكسبه
بين اجتذاب النفس والتسفيه
إنّ المحبّ ينمّ عن آلائه
مثل الخمور ومثلما يشفيه
فكأنه للناظرين زجاجة
يبدو الذي تخفيه أو تبديه
والعاشقون على الرفوف تناثروا
وغلاؤهم يعلو لسر فيه
وهوى الصبا ترف الوصول لموعد
فوق السحاب ووقته يبقيه
والبرق في أحشائه متلألئ
فينير كالمصباح إذ يجليه
وترى المياه من السحاب صواعدا
يلقى الجليس مذاقهنّ بفيه
وإذا نزلنَ على الثرى خضَّرْنَها
هذا الصبا ذو خضرة تزهيه
فيه الزهور الراقصاة على شذا
من غيرها ومن الذي تعطيه
والعشب يشدوا للمشاة إذا دنوْا
وإذا نأوْا فغناؤه يعليه
منسابة فيه الخطا كقصيدة
للبحتريّ بقصد مَنْ يطريه
تجري عجالا للنوى فممتَّع
في عهده ومودِّع يبكيه