سَأمنَحُكِ اللُّجُوءَ إلى فؤادِي
فكُفِّي عن ملاحقَةِ البلادِ
أنَا وحدِي أريدُكِ لا لِشيءٍ
وغَيرِي كلُّ شيءٍ فِي مَزَادِ
أنَا نَصٌّ ومُحكَمَةٌ حدودِي
فكيفَ تجازِفِينَ بالاجتِهَادِ؟
رحلتُ إلى كهوفِي ذاتَ بُعْدٍ
وما أقسَى كهوفَ الابتِعَادِ!
تُوَثِّقُ صبرِيَ الأيَّامُ، خَتْمِي
شموسٌ أدمنتْ صَكَّ انفِرَادِي
ولمَّا العِيرُ جئنَ ببعضِ ريحٍ
فَرَرْتُ إليكِ مِن طولِ الرُّقَادِ
أقمتُ مدينَةً كَي تدخلِيهَا
بِلا وَرِقٍ، ولا وَرَقِ اعتمادِ
فجوزِي معبَرَ الأزمانِ نحوِي
لكيْ تنزاحَ مملكةُ الرمادِ
أنَا مَن كانَ لِي فِي بَهْوِ عقلِي
أمانٍ لا تكِلُّ عن التَّمَادِي
على رأسِي (شماغٌ) يَعْرُبِيٌّ
وأمشَاجِي نَمَتْ مِن صُلْبِ ضَادِي
أُعَرِّبُ لُكنَةَ الأحلامِ حتَّى
كأنَّ خيالِيَ الفَيرُوزَابادِي
يطيرُ الموصِلِيُّ ببعضِ ريشِي
علَى وَتَرٍ رشيدِيِّ السُّهَادِ
ويعصِرُ لِي كرومَ الغيبِ حتَّى
أرَى الحمْرَاءَ تعلُو فِي العِمَادِ
زرعتُ علَى الفُراتِ النَّخلَ حِصنًا
يُطَمْئِنُ ظلُّهُ جَزَعَ البَوَادِي
كتبتُ علَى ضِفافِ النِّيلِ شِعرًا
وبنتُ الشَّامِ ترقُصُ فِي مِدادِي
أنَا مَن كنتُ طِفلًا مريَمِيًّا
يتاجِرُ فِي دَمِي زمنُ الكَسَادِ
تمرُّ بِيَ الحياةُ ودونَ وعيٍ
يضيقُ عليَّ مضمارُ الجِيَادِ
أتى "ابنُ العلقَمِيِّ" وباعَ إرثِي
وجَدِّي ضيَّعتْهُ يدُ الحِيَادِ
وموريسكيَّةٌ كانتْ فَتَاتِي
وكنتُ أنَا ذبيحةَ الاضطهادِ
تناسَخَنِي الزَّمَانُ بِكُلِّ طفلٍ
تقرِّرُ يُتْمَهُ كفُّ الأعَادِي
أنَا العَرَبِيُّ، مَجدٌ مَا قديمٌ
تجدَّدَ فِي حلولِيَ واتِّحَادِي
بكيتُ دمًا وقد " بانتْ سعادٌ "
وحتَّى اليومِ مَا عادتْ سعادِي
ولمَّا قلتُ إنِّي خبزُ أهلِي
نُهِشتُ بكلِّ طاوِلَةِ انعِقَادِ
أتيتُ وفِي يدِي جنَّاتُ عدنٍ
فأرهقَ ظلَّها شَرَهُ الجَرَادِ
ومَا مَدَّتْ يَدٌ نحوِي طَحِينًا
سِوَى البارودِ يخبزُه حِدَادِي
تمرُّ بِيَ المذابِحُ كلَّ يومٍ
وذا رأسِي حُسَينِيُّ العِنَادِ
فمنْ أردَاكَ يا وطنِي المُسَجَّى
فسادُ العهدِ أم عهدُ الفسادِ؟
سأنبُتُ كلَّمَا قطعُوا وَتِينِي
فجِسْمِيَ طِينَتِي ودَمِي سَمَادِي
أنَا الزَّيتُونُ فلْتَضَعُوا سراجِي
مكانَ الشَّمسِ فِي الأفقِ الرَّمَادِي
فثمَّ خطًى سيقطعُهَا نبِيٌّ
لِعامِ الغوثِ مِن بعدِ الشِّدَادِ
وتاريخٌ سيبلُغُ سِنَّ رشدٍ
ليخلَعَ عنهُ ثوبَ الانقِيَادِ
وثمَّ هُوِيَّةٌ ستعيدُ مُلْكًا
يُمَكَّنُ باليراعَةِ والزِّنَادِ