يَا مَنْ قَضَى فِي أَرْضِ حَضْرٍ إنَّهَا
حَلَّ الرَّدَى فِي أَرْضِهَا مَأسُورَهَا
بِالمَوْتِ تُعْرَفُ لَا بِحَضْرٍ تَزْدَهِي
هَذَا الْبَلَاءُ رَديفُها مَقدُورُها
تَبّاً لَهَا، دَارٌ تَجَدَّلَ أهلُها
بِئسَتْ وبِئسَ مَقَامُهَا بَل دُورُها
فَاضَتْ بِهَا نَفْسٌ قُبَيلَ رَحيلِهَا
حَسْرَى فَفِيهَا قَدْ مَضَى مَصْدُورُها
خَمْسٌ يَهُونُ الخَطْبُ فِي إحْصَائِهَا
شَوْقٌ وَفِكرٌ والدُّمُوعُ سَميرُها
لَاحَتْ لَهُ الْآمَالُ فِي وُكُنَاتِها
وازدَانَ فِي طَيْفِ الرَّجاءِ حُورُها
جُذَّتْ مَياسِمُ زَهْرِهِ فَعَبيرُها
نَشْرٌ، تَضَوَّعَ في دُجًى مَستُورُها
لَم تَألُ مِن هَذِي الحَيَاةِ مَغَانِماً
فَالغُنْمُ فِيهَا زائِلٌ، مَحسُورُها
حَيَّرتَ ذَا لُبٍّ بِصَدِّكَ عَلَّهُ
غِلٌّ بِصَدرِكَ أَمْ هَذَاكَ نُفُورُها
لَم أَلْفَ صَدْرَكَ لِلغَوائِلِ مَرتَعاً
بَل فَاحَ مِنْ ألَمِ السِّنِينَ عَبيرُها
وَظَمِئتَ دَهراً لَا تُسيغُ مَوَارِدًا
نَهَلَتكَ مِنْ ظَمَأِ الحَيَاةِ بُحُورُها
حُلِّئتَ عَن وِرْدِ الْأَقَارِبِ مُرغَماً
مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنْ يَمُوتَ ضَمِيرُهَا
لَكِنَّمَا عُرِفَ الغِطَاءُ وَبِئرُها
ظَلْمَاءُ لَا يَرقَى لَها دَيجُورُها
ضَجَّتْ قَوَافِي الشِّعْرِ بَعْدَكَ إنَّها
أَنَّتْ لِفَقدِكَ فالبُحُورُ سُجُورُها
قُلْ لِلقَصَائِدِ أَنْ تَنُوءَ بِرُزئِهَا
قُلْ لِلصَّحَافَةِ: قَدْ قَضَى مَوتُورُها
أَهْدَيتَ دَمْعَكَ لِلَّئيمَةِ جَوهَرًا
بَلْ أَنَّ رُوحَكَ بعدَهُ مَنذُورُها
يَجْلُو التَّفَكُّرُ في مَحَلِّ رُفَاتِهِ
أَنَّ الَّذِي ضَمَّ الثَّرى نِحريرَها
مَا تَفْعَلُ الآهاتُ بَعْدَك وَالْأَسَى
أَو شَقُّ جَيْبٍ بَعدَكُمْ وثُبُورُها
فَإلَيكَ من رَجُلٍ تَعاظَمَ حُبُّهُ
كَالنارِ، يَلتَهِمُ الهَشيمَ سَعيرُها
بَثٌّ على طَرَفِ اللِّسَانِ فمُهْجَتي
حَرَّى، تَنَاءَى سَعدُهَا وسُرورُها
فأثَرتُ مِن قَهرِي عَلَيكَ مَوَاجِعًا
يَعلُو عَلى كُلِّ الزَّفيرِ زَفيرُها
أسَفي عَلَيكَ برَغمِ نَأيِكَ مُتعَباً
أسَفَ الثَّكَالَى، يَستَحيلُ حُبُورُها