خالدٌ أنت على رغم الزّمانْ
بفؤاد العُرْب في كل مكانْ
إيهِ موسى يا ابنَ غسانَ الذي
لك مجدٌ حسدته الشِّعْريان
كنت شهمًا عربيّاً باسلاً
ذا جَنانٍ وجمالٍ ولسان
ففؤادٌ لم يُرَع قطُّ ولم
يرهبِ الآلافَ في يوم الطِّعان
وضياءٌ باهرٌ في طلعةٍ
من سناها يستمدّ القمران
وبيانٌ مشرقٌ لو صغته
في نحور الغِيد أزرى بالجُمان
يا عروسَ الدهر يا غرناطةٌ
يا مَراد الأنس يا فخرَ الزَّمان
يا مَقرَّ السّحر والفن ومن
ملك القول فأجلى وأبان
كم بناديك شدا من شاعرٍ
أذهل الألبابَ في سحر البيان
وأديبٍ لو تلا آياتِه
سجد البدر وخرَّ الفرقدان
أين مني نهرُك السّاجي الذي
راح يسري بين أحضان الجِنان
جعّدت ريحُ الصبا أمواهه
فهي درعٌ لامعٌ يومَ الرهان
يتهادى في بساط مزهرٍ
قد حكى بالنقش أبراد اليمان
أرقص الأشجارَ في ساحته
نسمُ الريح بلطفٍ واتّزان
وشدا الطّير على أفنانه
فنسينا الفرقَ معْ شدو القيان
فهنا في شاطئيه ظبيةٌ
تتغنّى وهناك العاشقان
وهنا زورقُ حبٍّ هائمٍ
يقطع الموجَ برفقٍ وحنان
صورةٌ ضمنَ إطارٍ رُسمتْ
لم تُلَوَّنْ بصباغٍ أو دِهان
ما لأهليك غدوا في حيرةٍ
وأتى الخوفُ لهم بعد الأمان
فنوادي الفنّ صارت قفرةً
لا قريضٌ لا غناءٌ لا دِنان
خَيَّم الحزن على الكلّ فلم
تلقَ فيهم غيرَ مكلوم الجَنان
أسهر الخوفُ عيونًا لم تذق
مطعمَ السُّهد ولم تلقَ الهوان
راعها جيشٌ من الإسبان قدْ
غصَّ منه في الصحاري الخافقان
أقبلوا فوق خيولٍ ضُمَّرٍ
تسبق العقبان عند الطيران
ذُهِل الناس لجيشٍ جندُهُ
ونجومُ الليل في العدّ سِيان
جدّدَ الآمالَ في العُرْب فتًى
نذر الرّوح لطعناتِ السِّنان
هو موسى قائد الجيش الذي
كلُّ قِرْنٍ عنده غِرٌّ جبان
حزَّ في الأحشاء منه أن يرى
عِرض أهليه مُضاعًا ومُهان
أعلن الحرب على الأعدا ولم
يرهبِ الجمعِ ولم يلوِ العِنان
معْ رفاقٍ عندهم طعم الرّدى
جرعةُ الماذيِّ أو وصل الحسان
من بني يعربَ ما في جمعهم
من عنا للذل يومًا واستكان
دافعَ الأبطال عن غرناطةٍ
أشهرًا دون فتورٍ أو توان
كُلَّما أفنوا كتيبًا للعدا
حلَّ من أمدادهم ثانٍ وثان
قرأوا أن القضا فيهم مضى
خذل النصر ويوم الشؤم حان
وإذا الأمرُ من الله أتى
لم يُفِدْ عزمٌ ولم تُجدِ اليدان