تخطَّ إلى المحتوى

لا شيء يستطيع أن يمحو من ذاكرتي

غير معروف

٦٢ بيت

الحكمة

لا شيءَ يستطيع أن يمحوَ من ذاكرتي

ضياءَ ذلك المصباحِ الغامض

ولا الأثرَ الذي تركه في عينيّ

ولا الانطباعَ الذي خلَّفه في روحي

بل لا أظن الموتَ نفسه قادراً على محوه

رغم أن الزمن كفيل بكل شيء

دعوني أوضح، من فضلكم

بقدر ما يسمح الصدى المتبقي في حَنْجَرتي

بصراحة، كنت في ذلك الزمان

لا أعرف حتى ٱسمي

لم أكن كتبتُ أشعاري الأولى

لم أكن ذرفتُ دموعي الأولى

لم يكن قلبي أكثر من حانوتٍ منسيٍّ في ساحةٍ ما

ولكنْ حَدَثَ أن نقلوا أبي

إلى جزيرة (تشيلوه) في الجنوب

حيث الشتاءُ يشبه مدينة مهجورة

غادرْنا معاً، ودون أن نعرف كيف

وصلْنا ذات صباحٍ صافٍ إلى (بيورتو مونت)

كانت أسرتي قد أَمْضَتِ العُمْرَ كلَّه

إِمَّا في الوادي الأوسط، أو في الجبال

ولم يكن في بيتنا أحد

يتحدث عن البحر، أو حتى يفكر فيه

كنت لا أعرف عن البحر

إلّا ما علمونا إياه في المدرسة

كنت أجهله مثل جهلي برسائل الحب

التي كانت أخواتي يتداولْنها سراً

نزلنا من القطار في ٱحتفالٍ مَهيب

بين خفق الرايات وقرع الأجراس

عندها أمسك أبي بذراعي

وٱتَّجَهَ ببصره بعيداً

صوب الزَّبَد الأبيض الطليق

الزبد الخالد المبحر إلى بلاد لا ٱسمَ لها

وقال كمن يصلي في خشوع

بصوت ما زال صداه يرن في أذني

"هذا، يا ولدي، هو البحر"

البحر الصافي الذي يغسل البلاد بالبلور

لست أدري كيف أفسر هذا

لكن قوة هائلة ملأت روحي

ودون أن أعرف، بل دون أن أحزر حتى

حَجْمَ تلك القوة

شَرَعتُ أركض بلا ٱتزان ولا ٱنتظام

بلهفة جنونية بٱتجاه الساحل

كانت لحظةً لا تُنسى حين وجدتُني وجهاً لوجه

مع البحر، سيدِ المعارك العظيم هذا

عندها مددتُ ذراعي

نحو صفحة المياه المتموجة

كان جسدي متصلباً، وحدقتاي مثبَّتتين

على الحقيقة اللانهائية الممتدة أمامي

ولم تكن شعرةٌ واحدةٌ في جسدي تهتز

كنتُ أُشبِهُ ظلَّ التماثيل الأزرق

ولكنَّ كلماتي تعجز عن تحديد

الزمن الذي ٱستغرقَه تبادلُ التحية بيننا

ولا بد أن أضيف

أنه، في ذلك اليوم ذاته

وُلِدَتِ الهواجسُ في عقلي

ووُلِدَ التوقُ إلى أن أصنع بالشعر

ما كان الله يصنعه بالأمواج أمام عينيّ

منذ ذلك اليوم تملَّكتْني الحمّى

وٱستحوذ عليَّ عطشٌ مُحرِق

والواقعُ أن صوتَ البحر

كان يقبع في أعماقي

منذ أنْ وُجِدَ العالم.