قد شبّ عن طوق الحياةِ
فتاكِ لكن
لم يزل يحتاجُ أن يأوي إليكِ
إذا استبدّ به الأنينْ
ما زال ينتظر المساء لكي يراك
تدثرين الليل وحدكِ
بالحنين
ما زال حين يعود من أسفاره
يجتاحه شوق إلى كفّيك
حين تهدهدان هواه كالطفل الصغيرْ
تتلمسين نتوء روحه في غيابك
كي تري أثر الرحيلِ
تطبطبين عليه حتى ينقضي
عنه الذهول
ما زال يقلقه الرحيلْ
كيف ارتضيت بأن تغيبي عنه
دون وداعهِ
وتركتِه
لا ناقةً يطوي عليها في الدروبِ
ولا بعير
لا شوق يحمله إلى دنيا
خلتْ من وجنتيك
وغرفةٍ يبكيكِ فيها
منذ غادرتِ السريرْ
يا فاطمة
ردّي الطفولة للصغيرِ
فلم يزل يحتاج كفّكِ أن تشقّ
له الستار عن النهار
ردّي البراءة والشقاوة للصغار
رُدّي طقوس الأمسيات إلى الشتاءِ
وردّدي:
(يا رب سلمهم، يا رب جيبهم
روّاد عَ اهْوَنْ سبايب).
يا ربّ سلّمهم فقد ضاق المدار
ضاقت بهم كل البلاد
فغادروا
لا مركبٌ ياتي بهم
لا الريحُ تحملهم
وليس يسوقهم
ضوء النهارْ
طال السفر
يا فاطمة...
ومضيتِ وحدك في هدوءْ
ما زال صوتك في المكانْ...
علبُ الدواء
خيطُ الحرير
وطارةُ التطريز...
والنظّارةُ السوداء
والشمّاعة الخشب القديمة
لم تزل فيها معلّقةً ثيابُكِ
حيث كنتِ تركتها قبل
الذهابْ
والبابْ...
يا للبابِ
كيف يئنّ منتظرا رجوعك
عاجزا عن أن يردّ
لغير عينيك الجوابْ
ذبلت زهورُك كلها
لم يبق فيها شتلةٌ خضراء
تنبت في حنايا البيت بعدكِ
يا حبيبة
"وتعطلت لغةُ النبات"
وحلّ بالبيت الذبول
وداهمته غشاوةُ الحزن
الكئيبةْ.
الريحُ تعصف بالفتى
يا فاطمة
ما زال محتاجا إليك
يعود يبحث عنك
حين يلوحُ في الأفق
الشتاء.
ما زال يبكي كلما اقترب
الشتاءُ
يشمّ فيه عبيرَ كفّك
حين يمتزج المساءُ
بعطرِها
فيعود يبحث عنك
في عينيه...
كيف مضيتِ...
كيف تركتِه...
يجتثّه
بردُ الشتاءْ.
إلى روح والدتي فاطمة الطهراوي.