مصابٌ جسيمٌ عمّ كلَّ العشائرِ
وأسلمَنا قهرًا لحكم المقادرِ
رُمِينا بخطبٍ لا يقاسُ بغيرهِ
فُجِعنا برزءٍ ما له من مُناظر
وأكبادُنا ذابت أسًى وكآبةً
وأعيُننا مثل العيون الهوامر
على موتِ مفتي المسلمين وفخرِهم
ومن كان للإسلام نورَ البصائر
بكتْ مصرُ والدّنيا جميعًا لفقدِهِ
وأبناؤها من كلِّ بادٍ وحاضر
وأبدى جميعُ النّاسِ حزنًا وحسرةً
وأجرَوا دموعًا كالغيوثِ المواطر
وأثنَوا عليهِ بالذي هو أهلُهُ
ثناءً جميلاً طيِّبًا كالعنابر
على مثل ذا كلُّ الجرائد أجمعَتْ
وما شذَّ عنها غيرُ خاسٍ وخاسر
يحاول نقص البدر ليلةَ تمّهِ
بإظهاره الممقوت في كلِّ عامر
فقلْ لحسودِ الشّيخِ قد ذهب الذي
تَهابُ محيّاهُ فحولُ القساور
وتعنو له طوعًا أئمةُ وقتِهِ
ويلقاَه بالتّبجيلِ كلُّ الأكابر
فطبْ وانشرحْ صدرًا إذا كنتَ خالدًا
ولكن ستُلقَى في حفيرِ المقابر
ولا تحسبنّ اللّه عنكَ بغافلٍ
فإنْ لم تتبْ تُصلَى بنار النّهابر
وما مات مَن قد كان في الكون آيةً
أوائلُهُ محمودةٌ كالأواخر
تآليفهُ تنسيك ما حِيك قبلها
وتغنيك عن جُلِّ الطّروس الكبائر
أفادت من التّحقيق كلُّ يتيمةٍ
تقاصرَ عنها كابرٌ إثرَ كابر
وحلّتَّ بتدقيقٍ عويصًا ومشكلاً
بحيث غدا كالبدر يبدو لناظر
عليكَ بها إن رُمتَ تجني هدايةً
وتصبحٍ أستاذَ العلومِ الغزائر
وإنشاؤهُ قد زاد حسنًا وبهجةً
على الدّرّ بل زهر الدّراريِ السوافر
إذا خطَّ أعيا الكاتبين وكم أتى
بسحر بيانٍ في معانٍ زواهر
فعروتُه الوثقى تُريكَ بلاغةً
يدينُ لها قسٌ [وعبدالقاهر]
فواهًا على شمس المعارف والتّقى
وواهًا على التّذكير فوق المنابر
وواهًا على التدريس في كلّ مذهبٍ
وواها على الأقلام بِعد المحابر
وواهًا على التّوحيدِ والفقهِ واللغى
وواهًا على التفسير أصلِ العناصر
وواهًا وواهًا ألفَ ألفٍ ولن أفي
ولو أنّني نمّقتُ كلَّ الدّفاتر
وأنّى لنا الصّبرُ الجميلُ وقد هوى
منار الهدى وآندكّ طودُ المفاخر
وروضُ الأماني والمكارم قد ذوى
وقد كان للعافين إحدى الذّخائر
وغِيضَ عُباب العلمِ والجود في الثّرى
كذا فليكنْ غَيْضُ البحورِ الزواخر
فمَنْ لكتابِ اللّه يكشفُ سرَّهُ
ويشرحُهُ وفق الفنونِ الحواضر؟
فقدنا إمامًا كان حجةَ عصرِهِ
وقدوةَ أربابِ النُّهى والمظاهر
حكيمًا سما فوق السّماء بهمّةٍ
همامًا جليلَ القدرِ حُرَّ الضّمائر
فيأمرُ بالمشروع في كلِّ محفلٍ
وينهى عن المحظور طبقَ الأوامر
ويصدع بالقول الصّحيح نصيحةً
ولا يرهبنْ في الحقّ أقسى الجبابر
وكم ذبّ عن دينِ النّبيِ محمّدٍ
ودافع عنه بالرُّدود البواتر
فضائلُهُ سارتْ الى كِّل وجهةٍ
وأخلاقُهُ مثلُ الرّياضِ النواضر
وما دأبهُ إلا اتّخاذُ صنيعةٍ
وكسبُ معالٍ وابتناء مآثر
وإنفاقُ مالٍ في سبيل مبرَّةٍ
وإسداءُ معروفٍ لبَرٍّ وفاجر
وإرشادُ ضِلّيلٍ وإصلاحُ فاسدٍ
وإبداء مستورٍ وإحياءُ داثر
وتقويمُ منآدٍ وتوضيحُ منهجٍ
مواردُهُ مأمونةٌ كالمصادر
مناقبُ لم يبلغ مداهنَّ ناثرٌ
فسيحٌ ولم يستوفها نظمُ شاعر
عليهِ سلامُ اللّهِ ما عَبرةٌ همتْ
وما فاه بالتّأبين عبدٌ جزائري
فيا ربّ قابلْهُ بعفوٍ ورحمةٍ
وعاملْه بالغفرانِ يا خيرَ غافر
وأحسِنْ إليه وارضَ عنهُ وأرضِهِ
بكل نعيم لم يَجُلْ في الخواطر
وبالحورِ والولدانِ آنسه مِنَّةً
وأنزله في الفردوس دارِ الأخاير
وأروِ صداهُ من رحيقٍ ختامُهُ
هو المسكُ يزري عَرفُهُ بالأزاهر