سوريّةُ، يا قُبْلَةَ الأرواحِ في التَّعَبِ
وَيا ضِياءً سَرَى فِي مُقْلَةِ السَّغَبِ
كم زَلْزَلَ الشَّوْقُ فِي الأضْلاعِ مَرْكَبَنَا
فَصِرْنَا نَبْكِي عَلى الأطْلالِ وَالْخَرَبِ
هُنا حَمَاةُ، وَفِيها الماءُ يَنْحَدِرُ
مِنْ نَغْمَةِ العَاصِي، كَأنَّهُ النَّدَبِ
وَفِي حَلَبْ ضَجَّ فَوْقَ الطِّينِ مِئْذَنَةٌ
تُصَلّي الْجُرْحَ وَالأَنّاتِ لَمْ تَغِبِ
وَفِي دِمَشْقَ، أَشِمُّ الطِّيْنَ مَمْسَحَةً
يَسُوحُ فِي دَمِنَا مِنْ غُصَّةِ الْقُرَبِ
أَرْضٌ، وَلَكِنْ عَلَى كُلِّ الذِّرَى بَكَتِ
وَنَحْنُ نَحْفَظُهَا فِي الْقَلْبِ وَالْكُتُبِ
أَيَا رُبَى “إدْلِبَ” الْخَضْرَاءِ، مَا غَفَلَتْ
عَيْنِي، وَإِنْ طَالَ فِي النَّفْيِ انْتِسَبِي
مَازِلْتُ أَسْمَعُ “سَلْقِينًا” وَتَنْشُرُنِي
نَسَائِمَ الْمِسْكِ فِي أَحْلَامِ مُنْسَكِبِ
وَفِي “اللَّاذِقِيَّةِ” شَمْسٌ لا تُفَارِقُنَا
وَإِنْ تَغَرَّبْنَا، تَبْكِي نَفْسُهَا السَّحَبِ
يَا وَطَنَ الرُّوحِ يَا فَجْرَ الْحَنِينَ أَلَمْ
يَكْفِ الغِيَابُ؟ أَلَمْ تَشْتَقْ لِمُنْقَلِبِ؟
أَعُودُ؟ نَعَمْ لَكِ عَهْدٌ فِي دَمِي سَطَعَتْ
أَسْقِيكِ مِنْ شِعْرِيَ الْمَجْنُونِ فِي الطَّرَبِ
سُوريَّةُ، يَا نَبْضَ أَيَّامِي وَبَاقِيَةَ ال
حُلْمِ الذي لا يَزُولُ الرَّغْمَ مِنْ كُرَبِ!
وَيَا سُوريَا، مَهْمَا تَكَلَّمْنَا وَأَجْهَشَنَا
يَبْقَى الْكَلَامُ عَلَى الأَجْفَانِ لَمْ يَثُبِ
يَبْقَى الدُّخَانُ بِأَعْيُنِنَا وَفِي دَمِنَا
كَأَنَّهُ الْعُمْرُ فِي جُدْرَانِ مُنْتَحِبِ
أَيَا رُبَى “الْغُوطَةِ” الْخَضْرَاءِ، مَا سَكَنَتْ
ذِكْرَاكِ فِي دَمِنَا، كَالْقَافِ فِي الْكُتُبِ
كُنَّا نُرَتِّلُ فِي أَسْوَارِكِ الصُّبُحَ
وَالآنَ نَحْفَظُ فِي قُبُورِكِ مَنْ ذَهَبِ
أَيْنَ الْجَمِيلَةُ “حِمْصٌ”؟ أَيْنَ مِئْذَنَةٌ؟
تُصَلِّي الْفَجْرَ فَوْقَ الْجُرْحِ لَمْ تَغِبِ
وَفِي دَرْعَا نَامَ الحَجَرْ، بَلْ صَاحَ يَسْأَلُنَا:
مَتَى نَعُودُ؟ وَمَنْ بِالْعَوْدِ مُرْتَقِبِ؟
وَفِي “قَنَاصِلِهِ” لِلشَّمْسِ مَأْتَمُهَا
وَكُلُّ قَبْرٍ يُصَلِّي وَهْوَ فِي غَضَبِ!
وَفِي “الْبُكَا” أَرَى سِنْسَالَ الزَّمَانِ يَدٌ
تَفُكُّ أَضْلُعَنَا مِنْ خَوْفِهِ الْمُرْعِبِ
سُورِيَّةُ، إِنْ مَزَّقُوا صُوَرَ الهَوَى
فَقَدْ نَقَشْنَاكِ فِي الأَحْشَاءِ وَالْهُدُبِ
وَإِنْ هَجَرْنَا الْخُطَى فَالرُّوحُ فِي وَطَنٍ
فِيهِ الْجُرُوحُ، وَلَكِنْ فِيهِ مُنْقَلَبِي
سَأَرْجِعُ يَوْمًا، وَفِي كَفِّي قَصِيدَتُنَا
وَفِي جُفُونِكِ حَلْمٌ فَاقَ فِي الطَّرَبِ
وَأَرْقُصُ الآنَ فَوْقَ الدَّمْعِ مُبْتَسِمًا
وَإِنْ شَهِقْتُ فَفِي نَبْضِي لَكِ الطَّلَبُ!
وَأُمِّي هُنَاكَ تُقَلِّبُ خُبْزَهَا خَجَلًا
تَبُثُّ فِي “التَّنُّورِ” شَكْوَاهَا مِنَ السَّغَبِ
تُهَشْهشُ النَّارَ وَالذِّكرَى تُؤَرِّقُهَا
كَأَنَّهَا تَعْجِنُ الأَيَّامَ فِي التَّعَبِ
يَدَاهَا قَصِيدَتِي الأُولَى، وَفِي لَهَبٍ
مِنَ “الْفُقَارِ”، تُغَذِّي شُوقَ مُغْتَرِبِ!
وَكَيْفَ أَنْسَاكِ، يَا أُمِّي؟ وَفِي دَمِي
صَلاَتُكِ الْحَارَّهُ السَّامِيَةُ النَّسَبِ؟
كُنْتِ الْوَطَنْ، قَبْلَ أَنْ أَفْقِدَ الْوَطَنَا
وَكُنْتِ فِي الدَّرْبِ ظِلًّا مِنْ دَمٍ ذَهَبِ
سَلُوا الطُّيُورَ الَّتِي عَادَتْ بِأَجْنِحَةٍ
مِنْهَا الرَّمَادُ، وَمِنْهَا نَبْضُ مُغْتَصَبِ
هَلْ رَأَتِ الأُمَّ فِي سُورِيَّةَ ابْنَهَا
يَعُودُ مِنْ حَرْقِهِ بِالْيَأْسِ وَالْكُرَبِ؟
وَأَبِي… يَضُمُّ فِي عَيْنَيْهِ مَسْأَلَةً:
مَتَى الْعَوْدُ؟ يَا وَلَدِي، مَتَى الْهَرَبِ؟
وَالْبَيْتُ؟ أَيْنَ الْبَيْتُ؟ كَانَ نَشِيدَنَا
فَصَارَ رُكَامًا مِنَ الْأَطْيَافِ وَالْخُرُبِ!
وَالأُخْتُ تَرْقُبُ فِي عَيْنِ “الْمِرَايَا” مَنًى
وَلَكِنْ غِيَابَكِ فِي عَيْنَيْهَا الْمَصِيبُ العَصِبِ
أَيَا بِلادَ الدَّمْعِ، إِنَّا مَا نَسِينَا
وَإِنْ بَعُدَتْ خُطَانَا، فَالْهَوَى مُثُبِ
فَإِنْ سَأَلُوا مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ مُوَطَّنِي
سُورِيَّةُ وَالشَّوْقُ أَنْشُودِي وَمَذْهَبِي