فيك من شمس الضحى العين التي
ترسل اللمح مضيئًا في الظلامْ
فيك من بدر الدجى أحلامه
حين يسري نائمًا بين نيامْ
فيك من كل ربيع طلعة
تنبت النضرة عامًا بعد عامْ
والشتاء الجهم لا يعدوك من
عهده العاصف برق وغمامْ
ما تغنى الطير إلا بعض ما
أنت راويه، ولا ناح الحمامْ
وإذا الجدول ناغى نفسه
فهي أصداؤك من غير كلامْ
وصنوف الوحش هل ناظرتها
من نفار بينكم أو من وئامْ
لا انفتال الحوت تنساه ولا
سطوة النسر ولا خوف النعامْ
فيك من نار الحياتين الهوى
هل حياة الحي إلا من ضرامْ
والذي أرهبه وا أسفًا
هجرك المدعو بالموت الزؤامْ
فيك من دنياك نقص رائق
ومن الأخرى تباشير التمامْ
ومن الأملاك طيب ورضًا
ومن الشيطان غي وأثامْ
ومن الخمرة سكراها إذا
أسلست في النفس أو طاش الزمامْ
ومن القوت غذاء، ومن ال
ماء ري، ومن الجوع هيامْ
فيك من أرضك حظ وافر
وحظوظ من سماء لا تُرامْ
أجديد؟ إي نعم. قال الصبا
أقديم؟ إي نعم. قال الوسامْ
هذه الروعة هل تجمعها
في مدى يوم لحوم وعظامْ؟
لا وربي! بل دهور غبرت
قبلما تتقنها الأيدي الكرامْ
قبلما تتقنها الأيدي التي
نسقت أنوالها، وهي حطامْ
من وراء اللب صفًّا ينتهي
بعد صف، بين سدي ولحامْ
فيك من هندسة علوية
ما استدار الخط فيه واستقامْ
ومن الفن مثال باذخ
هو للمثَّال والشادي إمامْ
فيك مني ومن الناس ومن
كل موجود وموعود تؤامْ
كيف بي أعذل إن أغنيتني
أنت حتى عن شرابي والطعامْ
إن نفوني اليوم من دنياهم
وأباحوا لي من الزاد المرامْ
ثم قالوا: ما تشأ منها فخذ
قلت هذا، وعلى الدنيا السلامْ
قلت هذا، وتقدمت إلى
هوة الغيب، وفي الثغر ابتسامْ
كيف لا يبسم من قُبلته
تنظم الأوطار طرًّا في نظامْ
وإذا قبلته مستضحكًا
في تخوم الكون، والكون سدامْ
فهي سخري بالذي ودعته
واغتباطي بمقامي حيث قامْ