عميد الملك الكندري
٣ قصائد · فاطمي · عميد الملك أبو نصر
محمد بن منصور بن محمد الوزير عميد الملك أبو نصر الكندري وزير طغرلبك، أول وزراء بني سلجوق، وعدو الوزير نظام الملك اللدود، ولم تزل بينهما الشحناء والمنافسة والتعصب للمذهب، حتى بطش به الوزير نظام الملك في قصة لا تزال مجللة بالغموض، ليس في وسع أحد الدخول إلى حقيقة خباياها. وقد جمع البيهقي أبو الحسن علي بن زيد أخباره في كتاب سماه «أخبار الوزير أبي نصر محمد بن منصور الكندري» نقل منه ياقوت الحموي بعض أخباره. وكان مناوئا لمذهب الشافعي، كما سيأتي وترجمته أهم ترجمة تضمنها كتاب «دمية القصر» للباخرزي، وقد ترجم له في فصل مفرد هو وشيخ الدولة البركردزي. فجاءت ترجمته الكندري مطولة جدا، بالغ فيها بالثناء عليه وتعظيمه وتمجيده، إلا أنه عرضها بألفاظ أشبه بالألغاز، خوفا من الوزير نظام الملك، وكان كما هو معروف قد ألف «دمية القصر» للوزير نظام الملك، وحرص في كل مناسبة على تدبيج تراجمه بمدائح الوزير نظام الملك، فإذا قال في ترجمة الشاعر: (وله من نظامية) يعني وله من قصيدة في مدح نظام الملك، وقد يكون حديثه عن الكندري في هذه الترجمة السبب الحقيقي لمقتل الباخرزي لاحقا. والكندري هو المراد بالمفتري في كتاب الحافظ ابن عساكر «تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري»، وقد نقلت صفحات من الكتاب ونشرتها في صفحة ديوان الشاعر فانظرها هناك. وكان طغرلبك قد غضب على الوزير الكندري، أول اتصاله به بسبب أنه أوفده لخطبة ابنة خوارزم شاه فخطبها لنفسه وتزوجها وتمرد على طغرلبك بالاتفاق مع أبيها، فظفر به طغرلبك وأمر بخصيه فخصي وجب وسارت في ذلك أقاويل كثيرة، ثم غفر له طغرلبك وأعاده إلى وزارته، وكان أعظم رجاله ولما مات طغرلبك لم يجرؤ أحد على دفنه بانتظار عودة الكندري من مهمة كان فيها. والحق يقال فإن شخصية العميد الكندري، لم يقدر لها أن ترس حق الدراسة، وهي جديرة أن تعتبر إحدى مفاصل التاريخ الإسلامي إن لم تكن أهم مفصل فيه. وهو ممدوح الشاعر «صردر» في قصائد جمة منها قصيدته التي يقول فيها: بأغر ما أبصرت نور جبينه إلا اقتضاني بالسجود جبيني وتطرق الباخرزي في ترجمته إلى وصف قصة زواج السلطان طغرلبك من ابنة الخليفة العباسي القائم بأمر الله، وكان طغرلبك في السبعين من عمره، فتمنع القائم تمنعا طويلا إلا أنه رضخ في آخر الأمر، وكانت المرة الأولى في تاريخ بني العباس يتجرأ فيها سلطان ويخطب ابنة الخليفة. ومات طغرل بعد زفافه بأشهر (وكتب عقد الزواج في تبريز يوم الخميس 13 شعبان 454 للهجرة وكانت ليلة الزفاف ليلة الاثنين 15 صفر 455 وتوفي يوم 8 رمضان من السنة نفسها). وقد حضر الباخرزي العرس، كما حضره عميد الملك الكندري. وجدير بالذكر هنا أن الخليفة نفسه تزوج أرسلان خاتون واسمها العربي خديجة ومن عادة الترك وقتها أن يكون لكل واحد من الأسرة الحاكمة اسمان عربي وتركي ابنة داود أخي طغرلبك، وافتتح ابن الأثير حوادث سنة 448 بوصف مراسم هذا العرس، وكان عميد الملك الكندري أو من خطب في هذا العرس. وانظر ما حكاه ابن الأثير عن تفاصيل زواج طغرلبك من ابنة الخليفة في مطلع كلامه عن حوادث سنة 454 للهجرة وأوله: (في هذه السنة عقد للسلطان طغرلبك على ابنة الخليفة القائم بأمر الله، وكانت الخطبة تقدمت سنة ثلاث وخمسين مع أبي سعد قاضي الري، فانزعج الخليفة من ذلك) قال ابن الأثير في ترجمته لطغرل بك في وفيات سنة 455 بعدما نقل كلام عميد الملك الكندي في وصف موته (وكانت مملكته، بحضرة الخلافة، سبع سنين وأحد عشر شهرا واثني عشر يوما). قال: (وكان وزيره الكندري على سبعين فرسخا، فأتاه الخبر، فسار، ووصل إليه في يومين وهو بعد لم يدفن فدفنه. وجلس له الوزير فخر الدولة بن جهير ببغداد للعزاء) قال: (ولما مات السلطان طغرلبك أجلس عميد الملك الكندري في السلطنة سليمان بن داود جغري بك، أخي السلطان طغرلبك، وكان طغرلبك قد عهد إليه بالملك، وكانت والدة سليمان عند طغرلبك، فلما خطب له بالسلطنة اختلف الأمراء، فمضى باغي سيان وأردم إلى قزوين، وخطبا لعضد الدولة ألب أرسلان محمد بن داود جغري بك، وهو حينئذ صاحب خراسان، ومعه نظام الملك وزيره، والناس مائلون إليه. فلما رأى عميد الملك الكندري انعكاس الحال عليه أمر بالخطبة بالري للسلطان ألب أرسلان، وبعده لأخيه سليمان). وفيما يلي ما حكاه الباخرزي في ترجمة الكندري قال بعدما ترجم لخمسة من أعيان خراسان: (وأنا متخلص من ذكر هؤلاء الخمسة، إلى ذكر صدرين كانا من أركان الحضرتين وأعيان الدولتين. ولهما عندي أياد، أعد منها ولا أعددها. (أحدهما: ثم ترجم لشيخ الدولتين ثم قال:): والآخر: عميد الملك أبو نصر منصور بن محمد الكندري تجاوز الله عن سيئاته، وثقل ميزانه بحسناته. جمعني وإياه مجلس الإمام الموفق، رحمة الله عليه، سنة أربع وثلاثين وأربعمئة، والحال حويلة، والبحر دجيلة، والرحل في العنوق ولم يبلغ النوق. فعاشرت منه شابا، مهر حداثته مروح، ورأيت هنالك جسما كله روح. وما زالت الاتفاقات الحسنة تجذبه إلى علو حتى صار من الذين بالنجوم انتعلوا، وقلد أولا إشراف الباب، فوفاه شرطه، وسام أركان الدولة القتاد وخرطه، وكاشفهم في ذلك لحجاب الحشمة مخترقا، وعقد بهم أذنيه للسمع مسترقا، وضم من شمل احتجاناتهم ما كان مفترقا. يأمر وينهى ويتجسس، وحسن موقع غنائه من السلطان طغرلبك، أبان الله برهانه، فلم يرض له بالإسفاف إلى عمل الإشراف، فإن الإنهاء نميمة، وليس للنمام قيمة. وانتضاه لولاية خوارزم، وفوقه إلى أغراضها بعدما سدد قدحه، وركب فيه نصله، وعزق فيه قوسه، فقرطس الهدف من المرمى القصي، وأصاب به شاكلة الرمي. ولم يزل به الشباب ونزقاته، والشيطان ونزغاته حتى عصى وشق العصا، وهو من بطر الولاية سكران ملتخ، يحبو إلى الحب، ووراءه فخ، فما راعه إلا: رأوا نقعها يعلو فظنوا غمامة فما شعروا حتى بدت جبهاتها وأنزل من صياصيه، وسفع بنواصيه، وأذيق وبال معاصيه. أما علوه فقد مسخ، وأما سفله فقد نسخ، كما قلت فيه من قصيدة: شق العصا وعصى وظن غضاضة في أن يبيت مهادنا ومجاملا قلت: لما عري وجهه كني عنه بجلاء الكسوف عن الشمس. ولا أعرف أحدا مدح بمثل هذا المديح، وهو نوع من الصنعة يسمى تحسين القبيح. هذا ومن عجيب ما اتفق لي معه أني داعبته في بعض الأوقات بأبيات مفتتحها: أقبل من كندر مسيخرة للنحس في وجهه علامات فضرب الدهر ضربانه، حتى صار العيوق مكانه، وألقيت إليه مقاليد الممالك، واستنت به مراكب الدولة في تلك المسالك. وتصرفت بي أحوال أدتني إلى ديوان الرسائل بالعراق، في وزارة الصاحب أبي عبد الله الحسيني ابن علي بن ميكائيل. فدخل الديوان يوما، وأنا قريب العهد بالانتظام فيه. فلما وقع بصره علي أثبت صورتي وأقرأه تذكر العهد القديم سورتي. فأقبل علي، وقال: «أنت صاحب أقبل؟» يشير إلى الأبيات التي مازحته بها، فقلت: نعم أيد الله سيدنا. فقال: قد تفاءلت بأبياتك هذه إذ كان مفتتحها لفظ الاقبال، مؤذنة بفراغ البال. وأومض لي في وجهه من مخائل الاستبشار ما حملني على التوسل إليه بهجوه في بعض ما مدحته به من الأشعار، وقلت فيه من قصيدة: فأشرت في هذه الأبيات إلى ما تفاءل به من لفظ الإقبال الذي اتفق لي في مطلع ذمه. وتعجب الحاضرون من هجو صار وسيلة إلى المهجو. فصار ذلك غرة في جبين كرمه، وطرازا على كم فضله. ومن عجيب الاتفاقات أني أنفذت إليه في زمام الأمل من خراسان، وهو بمدينة السلام. فوافيت الدار العضدية بها، وقد عقد فيها مجلس مزرور على الملوك العرب والعجم والديالم والأكراد، وهم يبرمون أسباب زفاف السيدة العباسية إلى السلطان ركن الدين، رحمة الله عليه، وعميد الملك مستند يذاكر وزراء أولئك الملوك، ويجاذبهم أهداب المحداثة كعادته التي كانت في التفكه بثمار الأدب، والتفنن في لغات الترك والعجم والعرب، كما قلت فيه من قصيدة: فطلعت عليه بغتة وهو يروي بيتين، كنت عبثت بهما في صباي، وهما: ويروي أيضا: فوافقت رؤيته لي روايته لشعري، وقال للحاضرين: هاهو ذا، وقد كان عندنا أنه بخراسان ساعة أطلقنا بشعره اللسان، فإذا بموسى وقد جاء على قدر، وبرد غليله بشرب من السعادة محتضر، وأتأر النظر، وكأنه يتقاضى شعري المنتظر، فأبرزت القصيدة من الكم، وقرطت بها أسماع أولئك الملوك الشم، فرفعت عقيرتي بدالية أولها: فلما انتهيت إلى قولي فيهما: سكر برشف رحيقه، وجمع بين برق ابتسامه ورعد تصفيقه، وأقبل على الحاضرين، فقال: لنا في العجم مثله، فأتوا في العرب بمثله، وصار ذلك عنوانا لكتاب مفاخري، وشرفا باذخا تعطس منه مناخري. ثم أرجع إلى الغرض من تزيين هذا الكتاب ببيتين قالهما أيام الفترة، وقد باض هوس الأمارة في شغافه، وفرخ وسواس الرئاسة في دماغه، وتلون له الشيطان بخليط أصباغه: فكأن النفس الناطقة نفثت في روعه، أن عاقبة أمره تؤول إلى روح، تخطف ورأس يقطف. ودخلت عليه بنيسابور وهو محبوس في دار عميد الحضرة، فساق إلي من مجاري أحواله قصصا، وأساق من مناقب أنفاسه غصصا، وأثنى على الصاحب نظام الملك بآلائه، وسماه بأحسن أسمائه، وقال في أثناء ثنائه: حقق أملي، واستلب حياتي من يدي أجلي. ولا تكاد تجد في التواريخ والأخبار شخصا واحدا تشعب فرقا، وتقسم شققا، وصار في عدة من البلدان، طرائق قددا، وجوارح بددا غيره. واقترح علي أن أنظم هذا المعنى في مرثية له فقلت: شادت يد الدولة أركانه ثم هوى أعظم بنيان قلت: ولعميد الملك طريقة في الترسل محمودة، ومواقفه في البلاغة مشهودة قرأت من خطه كتابا له إلى القاضي أبي محمد الناصحي محمد بن عبد الله بن الحسين رحمة الله عليه. وانتقيت فصوله، وانتقدت فصوصه. فمما استحسنته من ذلك قوله: (ثم أورد مقتطفات من الرسالة ثم قال) وقد ملت في هذا الباب عما هو شرط الكتاب، وفتلت عناني عن رواية الأشعار إلى سياقة الأخبار، وثنيت زمامي عن المنظوم، وأنخت ركابي على المنثور، كل ذلك لما أعتقده من قضاء حق ذلك المنعم. فقد والله - طوقني قلائد مننه - وقام معي بفروض الود وسننه. واستمر على منهاج البر وسننه، ولم يهمل رسمه في الإسعاف مع تحليق رتبته، ولا نسي المألف الخشن عند لين معيشته، أفرغ الله عليه في عقباه سجال نائله الغمر، وسقى أيامه السالفة حيثما سقطت من الدهر بمنه، وسعة طوله، إنه جوادا كريم، رؤوف رحيم. (انظر في صفحة التعريف بديوانه بعض أخباره) (1): قال الصفدي: ومنهم من قال (منصور بن محمد والأول أصح)