أبو الوفاء ابن عقيل
قصيدة · فاطمي
علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن أحمد البغدادي الظفري نسبة إلى محلة الظفرية ببغداد أبو الوفاء، شيخ الإسلام، وأحد عجائب الحنابلة السبع (1) وصاحب أضخم مذكرات علمية تقع في ثمانمائة مجلدة سماها «الفنون» قال ابن الجوزي: (وكان له الخاطر العاطر، والبحث عن الغامض والدقائق، وجعل كتابه المسمى ب«الفنون» مناطا لخواطره وواقعاته. من تأمل واقعاته فيه عرف غور الرجل. وهذا الكتاب مائتا مجلد. وقع لي منه نحو من مائة وخمسين مجلدة). وقال أبو البقاء اللغوي: سمعت الشيخ أبا حكيم النهرواني يقول: وقفت على السفر الرابع بعد الثلاثمائة من كتاب الفنون. وقال الحافظ الذهبي في تاريخه: (لم يصنف في الدنيا أكبر من هذا الكتاب حدثني من رأى منه المجلد الفلاني بعد الأربعمائة). وقال في كتابه الميزان: (أحد الأعلام وفرد زمانه علما ونقلا وذكاء وتفننا له كتاب الفنون في أزيد من أربع مائة مجلدا إلا أنه خالف السلف ووافق المعتزلة في عدة بدع نسأل الله العفو والسلامة فإن كثرة التبحر في الكلام ربما أضر بصاحبه ومن حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه) وقال الحافظ ابن رجب: (وأخبرني أبو حفص عمر بن علي القزويني ببغداد، قال: سمعت بعض مشايخنا يقول: هو ثمانمائة مجلدة). ثم سمى بقية كتبه وفي المنتظم لابن الجوزي وفيات عام 528هـ ترجمة عبد الله بن المبارك بن الحسن العكبري.(وباع ملكا له واشترى كتاب الفنون وكتاب الفصول لابن عقيل، ووقفهما على المسلمين). وفي المنتظم لابن الجوزي نقول كثيرة من كتاب الفنون، بل لا يستبعد أن تكون معظم كتب ابن الجوزي المشهورة في الوعظ مستخرجة منه، وأكتفي هنا بنقل هذه النادرة قال: (قال ابن عقيل: وقد رأيت أكثر أعمال الناس لا يقع إلا للناس إلا من عصم الله، فمن ذاك أني رأيت في زمن أبي يوسف كثيرا من أهل القرآن والمنكرين لإكرام أصحاب عبد الصمد، وكثر متفقهة الحنابلة، ومات فاختل ذلك فاتفق ابن جهير، فرأيت من كان يتقرب إلى الشيخ بالصلاح يتقرب إلى ابن جهير برفع أخبار العاملين، ثم جاءت دولة النظام، فعظم الأشعرية، فرأيت من كان يتسخط علي بنفي التشبيه غلوا في مذهب أحمد، وكان يظهر بغضي يعود علي، بالغمض علي الحنابلة، وصار كلامه ككلام رافضي وصل إلى مشهد الحسين فأمن وباح، ورأيت كثيرا من أصحاب المذاهب انتقلوا ونافقوا، وتوثقوا بمذهب الأشعري والشافعي طمعا في العز والجرايات، ثم رأيت الوزير أبا شجاع يدين بحب الصلحاء والزهاد، فانقطع البطالون إلى المساجد، وتعمد خلق للزهد، فلما افتقدت ذلك قلت لنفسي: هل حظيت من هذا الافتقاد بشيء ينفعك؟ فقالت البصيرة: نعم، استفدت أن الثقة بالناس خيبة، والغنى بهم إفلاس وليس ينبغي أن يعول على غير الله). ولد أبو الوفاء ابن عقيل سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة في جمادى الآخرة. وقد كتب سيرته بنفسه فكانت من أثمن السير الذاتية، وفيها قوله أثناء تسميته شيوخه في كل فن: (وفي الشعر والترسل ابن شبل وابن الفضل (يعني صردر الشاعر المشهور المتوفى سنة 465 و ابن شبل صاحب: بربك أيها الفلك المدار) قال: ومنهم: أبو بكر الخطيب. كان حافظ وقته. وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء. وكان ذلك يحرمني علما نافعا. وأقبل علي أبو منصور بن يوسف، فحظيت منه بأكبر حظوة. وقدمني على الفتاوى، مع حضور من هو أسن مني، وأجلسني في حلقة البرامكة، بجامع المنصور، لما مات شيخي سنة ثمان وخمسين. وقام بكل مؤونتي وتحملي، فقمت من الحلقة أتتبع حلق العلماء لتلقط الفوائد.و قدم علينا أبو المعالي الجويني بغداد، أول ما دخل الغزالي فتكلم مع أبي إسحاق، وأبي نصر الصباغ، وسمعت كلامه. وأما أهل بيتي: فإن بيت أبي كلهم أرباب أقلام، وكتابة، وشعر، وآداب. وكان جدي محمد بن عقيل كاتب حضرة بهاء الدولة. وهو المنشىء لرسالة عزل الطايع وتولية القادر ووالدي أنظر الناس وأحسنهم جزلا وعلما. وبيت أبي بيت الزهري صاحب الكلام والدرس على مذهب أبي حنيفة. وتقلبت علي الدول فما أخذتني دولة سلطان ولا عامة عما أعتقده أنه الحق، فأوذيت من أصحابي حتى طلب الدم وأوذيت في دولة النظام بالطلب والحبس- فيا من خفت الكل لأجله، لا تخيب ظني فيك- قال تلميذه ابن ناصر السلامي: والأذية التي ذكرها من أصحابه له، وطلبهم منه هجران جماعة من العلماء، نذكر بعض شرحها. وذلك: أن أصحابنا كانوا ينقمون على ابن عقيل تردده إلى ابن الوليد (يعني أبا علي محمد بن أحمد: ت 478هـ) وابن التبان شيخي المعتزلة. وكان يقرأ عليهما في السر علم الكلام، ويظهر منه في بعض الأحيان نوع انحراف عن السنة، وتأول لبعض الصفات، ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات رحمه الله. ففي سنة إحدى وستين اطلعوا له على كتب فيها شيء من تعظيم المعتزلة، والترحم على الحلاج وغير ذلك. ووقف على ذلك الشريف أبو جعفر وغيره، فاشتد ذلك عليهم، وطلبوا أذاه، فاختفى. ثم التجأ إلى دار السلطان، ولم يزل أمره في تخبيط إلى سنة (465)، فحضر في أولها إلى الديوان، ومعه جماعة من الأصحاب، فاصطلحوا ولم يحضر الشريف أبو جعفر لأنه كان عاتبا على ولاة الأمر بسبب إنكار منكر قد سبق ذكره في ترجمته. فمضى ابن عقيل إلى بيت الشريف وصالحه وكتب خطه: (يقول علي بن عقيل بن محمد: إني أبرأ إلى الله تعالى من مذاهب مبتدعة الاعتزال وغيره، ومن صحبة أربابه، وتعظيم أصحابه، والترحم على أسلافهم، والتكثر بأخلاقهم. وما كنت علقته، ووجد بخطي من مذاهبهم وضلالتهم فأنا تائب إلى الله تعالى من كتابته. ولا تحل كتابته، ولا قراءته، ولا اعتقاده.واعتقدت في الحلاج أنه من أهل الذين والزهد والكرامات. ونصرت ذلك في جزء عملته. وأنا تائب إلى الله تعالى منه، وأنه قتل بإجماع علماء عصره، وأصابوا في ذلك، وأخطأ هو. وقد كان الشريف أبو جعفر، ومن كان معه من الشيوخ، والأتباع، سادتي وإخواني- حرسهم الله تعالى- مصيبين في الإنكار علي لما شاهدوه بخالي من الكتب التي أبرأ إلى الله تعالى منها، وأتحقق أني كنت مخطئا غير مصيب. ومتى حفظ علي ما ينافي هذا الخط وهذا الإقرار: فلإمام المسلمين مكافأتي على ذلك. وأشهدت الله وملائكته وأولي العلم، على ذلك غير مجبر، ولا مكره وباطني وظاهري- يعلم الله تعالى- في ذلك سواء. قال تعالى: «ومن عاد فينتقم الله منه، والله عزيز ذو انتقام» وكتب يوم الأربعاء عاشر محرم سنة خمس وستين وأربعمائة. وفي تاريخ ابن كثير في حوادث سنة 461: (وفيها: نقمت الحنابلة على الشيخ أبي الوفا بن عقيل، وهو من كبرائهم، بتردده إلى أبي علي بن الوليد المتكلم المعتزلي، واتهموه بالاعتزال، وإنما كان يتردد إليه ليحيط علما بمذهبه، ولكن شرقه الهوى فشرق شرقة كادت روحه تخرج معها، وصارت فيه نزعة منه، وجرت بينه وبينهم فتنة طويلة وتأذى بسببها جماعة منهم، وما سكنت الفتنة بينهم إلى سنة خمس وستين، ثم اصطلحوا فيما بينهم، بعد اختصام كبير). ومن كلامه لما دخل السلطان جلال الدولة إلى بغداد، ومعه وزيره نظام الملك، سنة أربع وثمانين، قال النظام: أريد أن أستدعي بهم، وأسألهم عن مذهبهم، فقد قيل: إنهم مجسمة يعني: الحنابلة. قال ابن عقيل: (فأحببت أن أصوغ لهم كلاما يجوز أن يقال فقلت: إن قالوا: أحمد ما شبه وأنتم شبهتم، قلنا: الشافعي لم يكن أشعريا، وأنتم أشعرية. فإن كان مكذوبا عليكم فقد كذب علينا) ومن كلامه: (يقولون: أحمد ليس بفقيه، لكنه محدث. وما يقصد هذا إلا مبتدع، قد تمزق فؤاده من خمود كلمته، وانتشار علم أحمد) قال ابن رجب: (وكان مع ذلك يتكلم كثيرا بلسان الاجتهاد والترجيح، واتباع الدليل الذي يظهر له ويقول: الواجب اتباع الدليل، لا اتباع أحمد. وكان يخونه قلة بضاعته في الحديث. فلو كان متضلعا من الحديث والآثار، ومتوسعا في علومهما لكملت له أدوات الاجتهاد). وكان يقول: (ومن لا تعترضه شبهة لا تصفو لي حجة). (وكل قلب لا يقرعه التردد، يظهر فيه التقليد والجمود على ما يقال له ويسمع من غيره). ومن كلامه وقد وسئل عن عزلة العالم؟ فقال: ما لك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها: ترد الماء وترعى الشجر، إلى أن يلقاها ربها. ثم سرد بعض المسائل التي تفرد بها ومنها: (أن النساء يجوز لهن افتراش الحرير كما يجوز لهن لباسه ) ومنها: (أن المشروع في عطية الأولاد: التسوية بين الذكور والإناث) ومنها: (أنه يجوز استئجار الشجر المثمر) ومنها: (أنه لا يجوز أن يؤخذ العشر من تجار أهل الحرب ولا أهل الذمة، إذا اتجروا في بلاد الإسلام، إلا بشرط أو تراض). ومنها: (أن الإمام لا يمتنع من الصلاة على الغال، ولا على من قتل نفسه، وأن امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليهما كان من خصائصه). قال ابن رجب: وتوفي بكرة الجمعة، ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثلاثة عشرة وخمسمائة- وصلي عليه في جامعي القصر والمنصور. وكان الإمام عليه في جامع القصر ابن شافع. وكان الجمع يفوت الإحصاء. قال ابن ناصر: حزرتهم بثلاثمائة ألف. ودفن في دكة قبر الإمام أحمد رضي الله عنه. وقبره ظاهر رضي الله عنه. فما كان في مذهبنا أحد مثله. آخر كلام ابن ناصر. ثم ترجم ابن رجب لولديه هبة الله وعقيل وقد ماتا في حياته قال: (وحمل أبو الوفا رحمه الله في نفسه من شدة الألم أمرا عظيما، ولكنه تصبر، ولم يظهر منه جزع. وكان يقول: لولا أن القلوب توقن باجتماع ثان لتفطرت المرائر لفراق المحبوبين). وأورد في ترجمة عقيل قصيدة من شعره في 14 بيتا أولها: شاقه والشوق من غيره طلل عاف سوى أثره (1) وهم: الحلاج (ت 309هـ) وغلام الخليل قائد الثورة العظمى على المتصوفة عام (264هـ) وأبو إسماعيل عبد الله الأنصاري الهروي (ت 481هـ) صاحب منازل السائرين، وأبو الوفاء ابن عقيل (513هـ) وتلميذه وراوي أخباره الحافظ ابن ناصر السلامي، وكان شافعيا فتحول حنبليا (ت 550هـ) ونجم الدين الطوفي صاحب «الإكسير» وكان حنبليا شيعيا (ت 716هـ) وابن الفوطي (ت 723هـ) صاحب «معجم الألقاب» وكان حنبليا شيعيا