أضاعوه وأيَّ دمٍ أضاعوا
مضى ما ليس يُدْرَى وهو يُدرى
لقد حبسوا البريءَ به وخلّوا
سبيل ابن المدير يميسُ كِبْرا
ومقتولٌ بجنب الجسر أضحت
عيون المسلمين عليه عبرى
فتى من عسكر السلطان أودَى
فأصبح ساكنًا في الوادِ قبرا
وللمقتول في البستان أمْرٌ
عجيبٌ ردَّ عين العُجْب حَرّا
وأعظمُ ما جرَى ما ليس يُقْضَى
بأعظمَ منه في الملكوت مَجْرَى
وقوفُ أمين دولته ليرجو
رجالاً أبرموا للغدر أمرا
فساموه الهوان وكان ممن
يحيد عن الهوان المرِّ كِبْرا
فخاطب عُصْبة منهم فآبت
وثارت عصبة إذ ذاك أخرَى
رمَوه وقد أصابوا إذ رموه
فؤاد العدل والإنصاف طُرّا
وما لقيَ النظامِيّانِ أدهَى
وأوجع للقلوب أسًى وأوْرَى
ودَعْ مَنْ لم تلد في الدهر أنثى
كما ولدته بنت الليث حُرّا
ولا تذكر له أبدًا حديثًا
فذلك ما يشين السمعَ ذكرا
فتًى ما في الولاة له مثيلٌ
ولا هم مثله شرفًا وقدرا
أصيب فلا الحكومة أنصفتْهُ
ولا مشتِ الرجال إليه شِبْرا
دَمٌ لما أُطلَّ وغير خافٍ
بعين الله حين يباح سرّا
مضَى «محمودُ» فالأيامُ سُودٌ
ودار علاه أضحت منه قَفْرا
إذا ما مَرَّ بي يومًا طريقي
عليها لا أكاد أجوز قهرا
أسائلُها الكرامُ الغرُّ حلُّوا
بها ما بالهم تركوكِ غَبْرا
فخاطبني لسان الحال عنها
بلفظٍ كاد يسمعُنيه جهرا
مضوا إذ لستُ أعلم أين حلّوا
هُمُ سكنوا البِلَى لحدًا وقبرا
فتلك بيوتهم وَحْشًا عليها
غبار الذل لا ينفك غمرا
ألا مَنْ مبلغٌ عني مقالاً
يُحوِّله الشجا لا شكَّ جَمْرا
له لهَبٌ تأجَّجَ في فؤادي
مقيم لا أطيق عليه صبرا
مقالاً يستحيل دمًا بعيني
فيُشْجيني على أن ليس يُدْرا
فلو ألفيتُ من يَشْريه مني
بأقوالٍ يباع بها ويُشرَى
ولكن لا أرى من يشتريه
ولا من لا يقول إليك عُذْرا
تعذّرتِ الطباع عن المعالي
وعاد الربح بين الناس خُسْرا
وقُدِّم كلُّ ذي طبع لئيمٍ
وآُخِّرَ حائزٌ شرفًا وقدرا
فيا لله والإسلام مِمَّنْ
عصَى المولَى وخان الدين دهرا