أمرُ المهيمن نافذ الأحكامِ
ما هذه الدنيا بدار مقامِ
لاتعتبَنَّ على الليالي إنها
تُطوى وتنشرها يدُ الأيام
وصحائفُ الآجال في إجمالها
عظةُ اللبيبِ وعبرة الأفهام
ما كنتُ أحسب قبل موت المصطفى
أن الحياة تمرُّ كالأحلام
في ذمة الرحمن أجرُ مجاهدٍ
أمضى الحياة بخدمة الإسلام
رفع «اللواء» وجدَّ في إعلائه
حتى سما شرفًا على الأعلام
وتنضّدت غُررُ الثناء بمدحه
ورنت له العلياء بالإعظام
كملت شمائله وحسنُ بيانه
ومحامدٌ كالزهر في الأكمام
هجر الرقاد وغيره ألِفَ الهوى
شتّان بين النور والإظلام
حتى انطوت كل القلوب لحبه
لما سعى بالحزم والإقدام
مَن للمنابر والمحابر والعلا؟
مَن عن حقوق المسلمين يحامي؟
من للمحافل والجحافل بعدهُ
والدهرُ بين تحيّةٍ وسلام
قد كان لفظك في المحافل آيةً
حتى كأنك فزتَ بالإلهام
يا من تصدَّى للشمات وما درى
أن المنون يُزيل كل خِصام
أيموت كاملنا المهذَّب مصطفى
ويعيش مَن قد خُصَّ بالإيهام
ذاك الحسود وليس يخفى أمرهُ
من بعد ما قد باء بالآثام
ليت المنيةَ ساورته بأسهمٍ
ورمت حشاشته بكل سهام
يا من تُشيِّعه مكارمُ فضلهِ
يا غوثَ مصرَ وبهجةَ الأيام
أنت الذي خضت البحار مجاهداً
يومَ الحَمام ولم تهبْ لحِمام
عرَّفتنا معنى الحياة ولم نكن
ندري الحياةَ ففزتَ بالإكرام
هذا شعور القطر نحوك لم يزل
ينمو ويسمو على مدى الأعوام
هذي النجوم الزاهرات قد اختفت
حزناً وجفَّ عطارد الأقلام
وبدا على كيوان في عليائهِ
أثرُ الظلام كجبهة الضرغام
ومنازل العيُّوق صارت بلقعاً
وكواكب الزرقاء كالأسقام
حتى الثريا قد تناثر عِقدها
وتمشتِ الأرزاء كالآلام
ولقد رصدتُ له الكواكب بعد ما
نهكت قواه خدمةُ العلاّم
صبراً جميع العالمين على فتًى
حرّ الضمير مؤدّب الخدّام
ضاقت عليه الكائنات بأسرها
فنأى عن الدنيا لخير مقام
في جنة الفردوس حلَّ المصطفى
حيث النعيمُ وغاية الإنعام