ذكرى مخلَّدةٌ على الأزمانِ
ذكرى معطرةٌ بكلِّ لسانِ
ذكرى لها تحنو الجباهُ جلالةً
ذكرى رسولِ الحق والقرآن
اللهُ طهّره وجمَّل خُلْقَهُ
بالحلم والمعروف والإحسان
بطحاءُ مكّةَ أشرقتْ جنباتها
واستروحتْ من ظلِّه الفينان
واهتزَّ إيوانُ القياصر رهبةً
وهو المتين الصنع والبنيان
هذا اليتيمُ أعزُّ من شهدَ الورى
بأشمِّ أنفٍ أو أحرّ جَنان
هذا الوحيد، وحوله من صحبه
أوفى من الأهلين والخِلاّن
هذا الفقير وما يُعاب لفقره
وهو الغنيُّ النفس بالإيمان
قد كان أمّيًا، ولكن قد حَبَا
هُ الله بالفصحى وبالتبيان
مُثُلٌ من الشمّ الفريدة جُمِّعتْ
في قلب فردٍ واحدٍ إنسان
عزمٌ تلين الراسياتُ لبأسه
وتخِرُّ ساجدةً على الأذقان
قد ساوموه لكيْ يُغيِّر رأيه
أو ينثني، بالأصفر الرنّان
قد هدَّدوه بسجنه أو نفيه
أو قتله، بالظلم والعُدْوان
قد قاطعوه ليستنيمَ ويرتضي
بعبادة الأصنام والأوثان
ماذا عساه يردُّ رجسَ فِعالهم
وفعالهم كيدٌ من الشيطان
بعثوا له العمَّ الشقيق مراودًا
بالعطفِ والقربَى وبالتحنان
لكنه لم ينخدع بوعيدهم
أو يستَجِبْ لنوازع الطُّغيان
بل قال، عمَّاه استمعْ لمقالتي
واتركْ هوى من باء بالخسران
واللهِ لو وضعوا ذُكاءً في يدي
والبدرَ في الأخرى بدون تواني
ما كنت أترك أمرَ ربِّي دونهم
إمّا العُلا، أَو ميتةُ الشجعان
كم ذا دعوتَ مُخَافِتًا أو جاهرًا
باللين والحسنى مدى الأزمان!
ما كنتَ يوما مستبدًا بالنُّهى
أو طاغيًا في حكمه بسِنان
لم يحظَ جنسٌ أبيضٌ أو أسودُ
بالفضل والإنصاف والعرفان
الناسُ عندك مستوون جميعُهم
وصغيرُهم وكبيرُهم سِيَّان
دستورُ شرعتك الحنيفةِ صالحٌ
لتطوّر الأزمان والأكوان
ما البرلمانُ وما المبادئ بيننا
إلا صدًى من صوتك المتداني
من أين تملك ما جمعتَ؟ مُقَنَّنٌ
وحسابه في كفّتي ميزان
وابنُ الخليفة لم يفده جاهُهُ
أن يستقلَّ بأنعمٍ ومَغان
«عُمرٌ» يحاكمه ويأخذ إبْله
للمسلمين بمشهدٍ وعيان
هذا «ابن عمروٍ» يضرب المصريَّ لا
بالسيف بل صفعته منه يدان
«عمرٌ» يحاكمه القصاص، فلم يمل
نحو العزيز الجاه والسلطان
هذا هو الإسلام دينُ عدالةٍ
مهما علا فيه مكانُ الجاني
لكنَّ قومي قد أضاعوا نهجَه،
للدين قد تركوا وللديَّان
فُتنوا بسحر الغرب وهو مزيَّفٌ
يُفضي الى الأصفاد والأضغان
أو ليس عندهمُ حلالاً سائغًا
يستعمرون الشرق بالحرمان؟
دسُّوا له كيدًا يفرِّقُ شملَهُ
ويدبُّ في الأوصال كالسرطان
هذي فلسطينُ الجريحة تشتكي
دمها يسيل كموسم الفيضان
ودمشقُ كم رأتِ انقلابًا مصلتًا
من دون شعبٍ أعزلٍ حيران!
والمغربُ الأقصى تهدَّم ركنه
من ذا يقيم دعائمَ الأركان؟
والنيلُ واديه تقسَّمَ، شطرُه
مصرٌ، وشطرٌ آخر سوداني
قم يا رسولَ الله واجمعْ شملنا
بالحقِّ والتوحيد والفرقان